هل للمُدن أرواح؟ هو السؤال الذي يَطرح نفسه بمجرّد قراءة عنوان كتاب «أرواح المدن» للأكاديميّ السعوديّ محمّد بن إبراهيم الدغيري، الصادر عن الدار العربيّة للعلوم، ناشرون، في بيروت. وهو السابع لصاحبه في أدب الرحلات بعد «قصّة صورة» 2018، «غواية السفر ونداء الكتابة» 2019، «حكايات على خارطة السفر» 2020، «دول لا يزورها الغرباء» 2020، «لوحات على جدارِ الذاكرة» 2022، و«فسيفساء للمُدن» 2024. الجواب عن هذا السؤال المطروح، نَستشفّه من قراءة مَتْن الكتاب المؤلَّف من خمسة عشر نصًّا، ومائة وإحدى عشرة صورة ملوَّنة، تَنخرط في علاقةٍ تكامليّة في ما بينها. وكلُّ نصٍّ هو رحلة على الورق، يَعكس رحلةً ميدانيّة، قامَ بها الرحّالةُ إلى مدينةٍ أو أكثر، ودوَّن مُشاهداتِه وانطباعاتِه وتفاعُلاتِه مع المكان، وزانَها بالصور التوضيحيّة الملوّنة. وبذلك، نكون إزاء سياحةٍ وَرَقيّة حول العاَلم، يَصطحبنا فيها الكاتبُ على مَتن الورق، فنُشاركه الكثير من المتعة والفائدة، دونما أن نتجشّم عناءَ السفر. جغرافيا الرحلات تتوزَّع رحلاتُ الدغيري على أربع قارّات، بوتيرةٍ تتراوَح بين رحلتَيْن، في الحدّ الأدنى، وسبْع رحلات، في الحدّ الأقصى، للقارّة الواحدة؛ فبينما تَستأثر القارّةُ الأمريكيّة بسبع رحلات تَشمل المكسيك والولايات المتّحدة وبيرو وكوبا والدومينيكان وجزيرة سانت مارتن وأنتيغوا وبربرودا، تليها آسيا بأربع رحلات تَشمل أرمينياوالبحرينوالصين وعشق آباد، نرى أن حصّة كلٍّ من أوروبا وإفريقيا تقتصر على رحلتَيْن اثنتَيْن لكلٍّ منهما، فيزور إيطاليا وجُزر الأزور، في الأولى، ويزور الجزائر وموريشيوس، في الثانية. وبذلك، تَحظى القارّةُ الأمريكيّة بحصّة الأسد من رحلات الكاتب. هيكلية النص وعلى اختلاف الأمكنة في هذه الرحلات وتنوّعها، فإنّها تتقاطع في بؤر الاهتمام، وزوايا الرؤية، ومناهج المُقارَبة، وهياكل النصوص. ويُمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ النصّ الواحد يتألَّف من أربع مراحل مُتتالية؛ الأولى مرحلة التمهيد يُبيِّن فيها الكاتبُ تصوّراته المُسبقة عن المكان المقصود والحافز المباشر على الارتحال إليه. الثانية مرحلة ما قَبل الوصول يتناول فيها مشاهداته المكان من السماء. الثالثة، وهي الأهمّ، تتناول مُعاينته المكان على الأرض، بمَعالمه الطبيعيّة والبشريّة، ويُدوِّن مشاهداته وانطباعاته وتفاعلاته معه وبعض الخلاصات. الرابعة والأخيرة، وهي مرحلة المُغادرة وتَشتمل على الأثر الذي يتركه المكان في نَفْسِ الرحّالة. وهذه الهيكليّة تَنطبق على غالبيّة نصوص الكِتاب. مداد التجربة في «أرواح المُدن»، ثمّة علاقة خاصّة بين الرحّالة والمكان، يتفاعل فيها معه ويَنفعل به، يتأثّر به ويَعبر من خلاله إلى ذاتِه، ويؤُثِّر فيه ويُسقِط عليه تصوّراتِه وانفعالاتِه. وهو مَدار اهتمام أدب الرحلات. فالرحّالة ليس جغرافيًّا يَكتفي بوصْفٍ علميٍّ للمكان ويَرصد مظاهرَه ومحتوياته، ويَرسم خرائطه على الورق، بل هو أديب يدخل إلى المكان من عَتبة الذّات، ويَراه بعيْن البصيرة، وينصت إلى نبضه؛ فالمُدن ليست «محض عمران ولا خرائط مرسومة على وَرَق، بل هي كيانات حيّة تَنبض بما لا يُقال وتُفصِح أمام مَن يُحسن الإنصات إليها. في كلّ مدينة سرٌّ لا يُقال، ووجهٌ لا يُرى، وروحٌ تتوارى خَلف الجدران، وتَظهر لِمَن يَعبُر إليها بقلبٍ مفتوح فقط، وعيْنٍ متأمّلة لا بكاميرا معلَّقة على العنق»، على حدّ تعبير الكاتب في مقدّمة الكِتاب. وهو ما يُطبّقه في كتابه. ويُعبّر عنه بالقول: «لم أكتب هذا الكتاب بوصف الرحّالة، ولا كصاحب خارطة، بل كمَن عاش المُدن من الداخل، من زواياها الهامِسة، من أرصفتها المَنسيّة، من سكون مقاهيها، ونظرات أهلها، كَتبتُها بمداد التجربة لا بالحبر وحده، كما يُكتب الشعر من منطقة الشعور لا الوصف، ومن مسافة القلب لا العَيْن». وهكذا، يُعنى الدغيري بأرواح المُدن ولا يَقف عند حدود أجسادها. أمّا كيف تَمظهرت هذه الآليّات في النصوص بمراحلها المُختلفة، فيُمكن رصْدُه في عددٍ من نصوص الكِتاب، على سبيل المثال لا الحصر، من دون أن نَغفل هامشَ الاختلاف والخروج على الهيكليّة المُشترَكة في نصوصٍ مُعيّنة. أسباب مختلفة في مرحلة التمهيد، يُورِد الدغيري تصوّراتِه المُسبقة للمكان، حتّى إذا ما وصلَ إليه تَصطدم تلك التصوُّرات بالواقع الميداني، ما يُثبت صحَّتَها أو خطأها، ويُبنى على الشيء مُقتضاه. ويَذكر السبب المباشر الذي حدا به للقيام برحلته، وهو يَختلف من مكانٍ إلى آخر؛ فيُقرِّر الذهابَ إلى أرمينيا لأنّ هناك مساحةً في داخله لم تَكتمل، «وربّما كانت أرمينيا جزءًا منها»، ويقوم برحلته إلى البحرين تعبيرًا عن حبٍّ موروثٍ لها وَرثه عن الأبّ، وبحثًا عن ظلّه في الطرقات، ويَرحل إلى الجزائر تلبيةً لشيءٍ غامض ظلَّ يُناديه بصوتٍ لا يُسمع، ويُبرِّر رحلتَهُ إلى الصين بتَوقه «للسير وسطَ ذلك الثقل الهائل من الوجود الإنساني»، ويَعزو رحلته إلى المكسيك إلى رغبةٍ داخليّة في زيارتها وشهوةٍ عارِمة للمُغامرة، على سبيل المثال لا الحصر. وهكذا، تَختلف نوازع الرحلات، وتتّفق في صدورها جميعًا عن الذّات. في مرحلة ما قَبل الوصول، يَروي الكاتب مشاهداتِه وانطباعاتِه عن الأماكن من نافذة الطائرة؛ فلَم يرَ من العاصمة الأرمينيّة يريفان «سوى طبقة كثيفة من الغيوم على مدّ البَصر» وقمّة جبل أرارات المُغطّاة بالثلوج على مَدار العام. ولم يرَ من الجزائر سوى معالِم صامتة، «تَختبئ تحت غلالة ضوءٍ خفيف». وفي الطريق إلى بكين، راحَ يُراقب الأرضَ «تتقلّص تحت جناحَيْ الطائرة». وفي الطريق إلى المكسيك، بَدَتْ له «العاصمة مكسيكو سيتي كأنّها بحرٌ من الطين المسكون بالبَشر». على أنّ هذه المشاهد والانطباعات، على تنوُّعِها، في مرحلة ما قَبل الوصول، تَختلف عنها في مرحلة الوصول، بما هي صلب النصّ؛ فَروما من فَوق غيرها من تحت، بحسب القول المأثور. في مرحلة الوصول التي تُشكِّل صلبَ النصّ، يَستنفر الدغيري حواسَّه الخمس، ناهيك بحاسّته السادسة، ويُدوِّن ما تَقع عليه تلك الحواسّ وتتفاعل معه من مشاهداتٍ وانطباعاتٍ ومَشاعر، ويَخلص إلى خلاصاتٍ جامِعة مانِعة تَختصر المكان. على أنّ تعرّفه إليه يتمّ في أوقاتٍ مُختلفة، في الصباح والمساء ورابعة النهار. وثمّة تنوّع في الأمكنة المُزارة في هذه المدينة أو تلك بحيث تَشمل الشوارع والطرقات والأسواق وأماكن العبادة والمَرافق السياحيّة والأحياء القديمة والمواقع الأثريّة والطبيعيّة وغيرها. ويَرصد حركةَ الناس في هذه الأمكنة ونبضَ الحياة فيها ويثري رصدَهُ بملاحظاتٍ أنثروبولوجيّة. وإذا كانت الأمكنة المذكورة تَندرج تحت عنوان أسماء الجنس، فإنّه في بعض الرحلات يَصِف أماكن بعيْنِها، لها أسماؤها، كجبل أرارات في أرمينيا، وقلعة دلمون في البحرين، وساحة زوكالو في المكسيك، وأزقّة الهوتهونغ في الصين، والريفييرا الإيطاليّة وغيرها. أحكام جامعة مانعة انطلاقًا من هذه «العمليّات»، يُطلِق الدغيري أحكامًا جامعة مانعة تَختزل المكان وتُكثّفه في كلماتٍ قليلة. وتتناثر في ثنايا النصوص؛ فأرمينيا «بلد ينتمي لألَمِهِ كما يَنتمي لجماله، ولا يَتنازل عن أيٍّ منهما»، و«البحرين بلد ترتاح له حتّى قَبل أن تعرفه»، و«المكسيك ليست ما كُتب عنها بل ما لم يُكتب»، و«الجزائر لا تكون مدينة دون أحيائها المحمَّلة بتواريخها وعَمارتها وثقافتها»، و«الصين عالَمٌ يَختلف عن عالَمِنا بجوّه وهوائه وأرضه وسكّانه»، و«أمريكا بلد لا يشبه نفسه، لكنّه يَظلّ هو»، و«إيطاليا بلد لا يُشبه غيره، فهي ليست بلدًا، بل قارّة صغيرة تَنكمش على نفسها في كبرياءٍ نبيل»، وغيرها من الأحكام، ممّا لا يتّسع المقام لقوله. وبذلك، يُقدِّم الكاتب معرفةً خاصّة بالمكان انطلاقًا من تجربة الرحّالة الذاتيّة، وليست معرفةً عامّة، ممّا يشغل الجغرافيّين والأنثروبولوجيّين والمؤرّخين. في مرحلة المغادرة، وهي الأخيرة في النصّ، يُتوِّج الكاتبُ نصوصَه بكلماتٍ تتراوح بين: مشاعر الوداع، والأثر الذي يُخلِّفه المكانُ في نفسه، والانطباع الذي كوَّنَهُ عنه، والدَّرس الذي تعلّمه منه، وحالته عند المغادرة، وغيرها. في ختام قراءتنا هذه، لا بدّ من التنويه بشعريّة عدد من العناوين الفرعيّة للنصوص، وأدبيّة اللّغة، وجمال الوصف، ورشاقة السرد، وبراعة التصوير، وقوّة الملاحظة، ممّا تزخر به نصوص الكتاب، وتَجعله جديرًا بالقراءة، ذلك أنّه يَضرب لنا أكثر من موعد مع الفائدة والمتعة. وفي نتيجة القراءة، بإمكاننا القول إنّ للمُدن أرواحًا، وقد تقمَّصها الدغيري في نصوصه الدّالّة والجميلة. *شاعر وناقد من لبنان * ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.