يحتفل العالم بدخول العام الجديد وفق التقويم الميلادي، غير أن الغالبية لا تتوقف طويلًا عند تاريخ هذا التقويم، ولا عند المسار الطويل الذي قطعه قبل أن يستقر بصورته الحالية. فقد يبدو التقويم المعلّق على جدران منازلنا، أو المعروض على مكاتبنا، أو الظاهر على شاشات هواتفنا الذكية، أداةً بسيطة لتنظيم الأيام والشهور، إلا أن التقويم الميلادي أو الأدق تسميته بالتقويم الغريغوري هو نتاج مسار تاريخي معقّد تداخلت فيه الفلكيات بالدين، والسياسة بالعلم. وتمتد قصته لأكثر من ألفي عام، معبّرة عن سعي الإنسان، وبصورة أكثر تحديدًا الإنسان الغربي، إلى ضبط الزمن وقياسه بدقة. قبل ظهور التقويم الغريغوري، اعتمدت أوروبا على التقويم الروماني، الذي كان في بداياته قمريًا وغير منتظم. وفي عام 46 قبل الميلاد، أجرى رجل الدولة الروماني يوليوس قيصر إصلاحًا جذريًا للتقويم، فظهر ما عُرف لاحقًا بالتقويم اليولياني. وقد حدّد هذا النظام السنة الشمسية ب 365 يومًا، مع إضافة يوم واحد كل أربع سنوات، وهو ما نعرفه اليوم بالسنة الكبيسة. ورغم أن هذا الإصلاح كان متقدمًا بمعايير عصره، فإنه بالغ قليلًا في تقدير طول السنة الشمسية، بفارق يقارب 11 دقيقة سنويًا. ومع مرور القرون، تراكم هذا الفارق البسيط، فتقدّمت تواريخ التقويم تدريجيًا مبتعدة عن الظواهر الفلكية الدقيقة، وعلى رأسها الاعتدال الربيعي. ومن المهم التنبيه هنا إلى أن (قيصر) لم يكن لقب يوليوس قيصر الرسمي أثناء حكمه، بل اسم عائلته، أما لقبه الرسمي فكان (الديكتاتور). وبحلول القرن السادس عشر، أصبح هذا الانحراف واضحًا، ولا سيما بالنسبة للكنيسة النصرانية التي تعتمد على الاعتدال الربيعي في حساب موعد عيد الفصح، وهو أهم الأعياد الدينية في النصرانية، ويُحيي - وفق المعتقد النصراني - ذكرى قيامة السيد المسيح بعد صلبه بثلاثة أيام. وفي عام 1582م، أصدر البابا الكاثوليكي غريغوريوس الثالث عشر قراره الشهير بإصلاح التقويم. وهكذا وُلد التقويم الغريغوري، الذي عالج الخطأ المتراكم بحذف عشرة أيام دفعة واحدة، إذ تلا يوم 4 أكتوبر مباشرة يوم 15 أكتوبر من العام نفسه، كما أقر قاعدة أكثر دقة للسنة الكبيسة، بحيث لا تُعدّ السنوات المئوية سنوات كبيسة إلا إذا كانت تقبل القسمة على 400. وقد أعاد هذا التعديل التقويم إلى توافق أفضل مع السنة الشمسية، وضمن دقة عالية على المدى الطويل. لم يُعتمد التقويم الغريغوري دفعة واحدة في جميع الدول والأقاليم، بل انتشر تدريجيًا. فبحسب المؤرخين، سارعت الدول الكاثوليكية، مثل إسبانيا وإيطاليا إلى تطبيقه، بينما ترددت الدول البروتستانتية والأرثوذكسية، معتبرةً الإصلاح تدخّلًا بابويًا. ولم تعتمد بريطانيا ومستعمراتها التقويم الجديد إلا عام 1752، في حين انتظرت روسيا حتى ما بعد الثورة البلشفية عام 1918. وفي العصر الحديث، اعتمدت المملكة العربية السعودية التقويم الميلادي في عدد من المعاملات الرسمية إلى جانب التقويم الهجري، بوصفه أدق تقويم مدني عرفه التاريخ البشري. وترجع تسمية شهور السنة الميلادية إلى جذور رومانية قديمة؛ إذ لم تُسمَّ هذه الشهور اعتباطًا، بل وُلدت أسماؤها من تداخل المعتقدات الدينية، والطقوس الاجتماعية، والتقاليد السياسية في روما القديمة. فشهر يناير سُمّي نسبة إلى الإله يانوس، إله البدايات والانتقالات، الذي يُصوَّر بوجهين ينظر أحدهما إلى الماضي والآخر إلى المستقبل. أما فبراير فارتبط اسمه بطقوس التطهير والتنقية التي كان الرومان يؤدونها في هذا الوقت من العام. ويأتي بعده مارس، المسمّى باسم إله الحرب، وكان يمثل البداية الفعلية للسنة في التقويم الروماني القديم، وفيه تبدأ الحركة بعد سكون الشتاء. ثم يحل أبريل، المرتبط رمزيًا بتفتح الطبيعة وتجدد الحياة، يليه مايو المنسوب إلى الإلهة مايا، رمز الخصب والنماء، ثم يونيو المرتبط بالإلهة يونو، رمز الحماية والأسرة. أما يوليو فحمل اسم يوليوس قيصر تكريمًا له بعد وفاته، بينما سُمّي أغسطس نسبة إلى الإمبراطور أوغسطس، في دلالة واضحة على توظيف السلطة السياسية للزمن نفسه. أما الشهور الأربعة الأخيرة وهي شهور: سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وديسمبر فقد احتفظت بأسمائها العددية القديمة، التي كانت تشير إلى ترتيبها حين كانت السنة تبدأ في مارس، لتبقى شاهدًا لغويًا على التحولات التاريخية في تنظيم الزمن. وفي المحصلة، فإن التغييرات التي طرأت على التقويم لم تكن تقنية فحسب، بل كانت ثقافية وسياسية وحضارية. فقد أعاد الانتقال من التقويم اليولياني إلى الغريغوري تشكيل أسس التنسيق العالمي، والتجارة، والعلم، والحياة الدينية. واليوم، ونحن نستقبل عامًا ميلاديًا جديدًا، فإننا لا نغيّر رقمًا في التقويم فحسب، بل نطوي صفحة من تاريخ طويل، صنعته قرارات بشرية، وسعي علمي، وتحولات حضارية، جعلت من الزمن نظامًا مشتركًا ينظّم حياة العالم بأسره. جعل الله أيامكم عامرة بالخير، ومشحونة بالأمل.