أمير الرياض يستقبل الرحالين السعودي والمغربي    المملكة تستضيف -افتراضياً - الاجتماع التشاوري لمناقشة الهيئة الاستشارية للذكاء الاصطناعي بالأمم المتحدة    «الإحصاء» تكشف عن الرقم القياسي لأسعار العقارات للربع الثالث من العام الجاري    النائب العام يدعو دول مجموعة العشرين للتعاون في مكافحة الفساد العابر للحدود    البحرية اليونانية تطوق جزيرة كاستيلوريزو مع تصاعد التوترات مع تركيا    نائب أمير حائل يكرم أعضاء مجلس إدارة ميدان الفروسية بالمنطقة    أمانةُ عسير وبلدياتها تساند رجال الدفاع المدني للسيطرة على حرائق تنومة    وزير الداخلية يدشن الخدمات الإلكترونية الجديدة للمديرية العامة للجوازات    "الغذاء والدواء" تحيل 5 منشآت إلى وزارة الداخلية لعدم الالتزام باحترازات "كورونا"    أكثر من 120 مهندساً وفنياً لضبط النظام الصوتي للحرم المكي    بالتعاون مع الاتحاد العربي    الهلال عُقدة أبها في دوري محمد بن سلمان للمحترفين    9244 أسرة مستفيدة من الاستشارات في المودة منذ بداية العام 2020 م    جراحة ناجحة لإعادة يد مبتورة في مستشفى الملك فهد في الهفوف    تكليف سعد الحريري بتشكيل حكومة لبنان رغم معارضة التكتل    الإمارات تسجل 1578 إصابة جديدة بكورونا    أمانة العاصمة المقدسة تواصل حملاتها الرقابية على المنشآت التموينية    لجنة الحكام تستعرض أحداث الجولة الاولي للدوري    هيئة الهلال الأحمر تدشن كتاب المسعف الكفيف بلغة برايل    تعرف على حكام مباريات الدوري السعودي اليوم    قوات الاحتلال تعتقل خمسة فلسطينيين من محافظتي نابلس وجنين    الشؤون الإسلامية بالقصيم تنظم سلسلة كلمات دعوية في جوامع ومساجد الرس    جامعة تبوك تحتفي باختتام أنشطتها الطلابية لعام 1441ه    ورشة عمل تطويرية بلجنة القطاع المالي والتمويل بغرفة الرياض    " الأرصاد "رياح سطحية نشطة على منطقة حائل    14428 مستفيد من خدمات عيادات #تطمن ” في #القنفذة    أتربة على نجران والمدني يحذر قائدي المركبات    "التخصصات الصحية" تُعلن حصول أكاديمية القيادة على الاعتراف الأمريكي    تقنية البنات بالأحساء تختتم برنامج "الحوار المجتمعي"    7 معلومات عن مجموعة Proud Boys الإيرانية المتورطة في الانتخابات الأمريكية    الدكتور السحيباني يشكر القيادة بمناسبة تعيينه المندوب الدائم للمملكة في منظمة التعاون الإسلامي    اهتمامات الصحف المغربية    انفوجرافيك.. «الصحة» توضح أهم فحوصات العيون المتوفرة في مرافقها    %0.5 نسبة التغير السنوي في مؤشر أسعار العقارات بالسعودية    «تعليم الرياض» : رصد حضور الطلاب والطالبات عبر نظام «نور»    الهلال في ضيافة أبها.. التعاون أمام النصر للتعويض ..والإثارة تجمع الأهلي والوحدة    أضرار بالغة ل«إيقاف الخدمات» على الشركات والأفراد    ألمانيا تسجل أعلى حصيلة يومية بأكثر من 11 ألف إصابة بكورونا    اهتمامات الصحف الباكستانية    #وظائف شاغرة لدى متاجر شركة بنده    عون: أنا عاجز ولن أرحل    آل منصور يلحق بالجبرين وهوساوي في العميد    الفيصل: مشروع «وصْل» نقلة نوعية في التعاملات وتسهيل للمراجعين    أمير المدينة يوجه بخطط لمعالجة المشروعات المتعثرة    تفعيل مشروع القصيم منطقة ذكية ومناقشة مخطط الأراضي القديمة في بريدة    أمام خادم الحرمين.. السفراء المعينون لدى عدد من الدول الشقيقة والصديقة يؤدون القسم    مستشفيات الحبيب توفر تطعيمات الإنفلونزا الموسمية بشكل آمن وفعال    تشكيل «كبار العلماء» تميز بالتنوع في المذاهب الفقهية    ليفربول يُسقط أياكس في هولندا ب النيران الصديقة    أدبي #الباحة يجمع المحيط ب #الخليج في أمسية شعرية    الموارد البشرية تستعرض جهود مكافحة الاتجار بالأشخاص    رئاسة شؤون الحرمين تدشن مبادرة "معتمرون"    تطوّر إعلام الحرمين... وهذا همِّي    تطور أحداث العالم والعقل    دور عبدالفتاح أبو مدين في إعادة حمزة شحاتة للحياة    وكيل إمارة منطقة المدينة المنورة يفتتح الاجتماع السنوي لمديري الشؤون الإدارية والمالية بإمارات المناطق    المدينة: فرق لتصحيح مسار المشاريع المتأخرة والمتعثرة    برئاسة خادم الحرمين.. مجلس الوزراء يعقد جلسته عبر الاتصال المرئي ويصدر عددًا من القرارات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأذان
نشر في الوطن يوم 25 - 09 - 2020

أشبهُ الأشياءِ بالدعوة إلى الصلاة دعوةٌ تكون من معدن الصلاة، وتَنِمُّ على صوت من أصوات الغيب المحجَّب بالأسرار: دعوةٌ حيَّة كأنما تجد الإصغاء والتلبية من عالم الحياة بأسرها، وكأنما يبدأ الإنسان في الصلاة من ساعةِ مسراها إلى سمعه، ويتصل بعالم الغيب من ساعة إصغائه إليه. دعوةٌ تلتقي فيها الأرض والسماء، ويمتزج فيها خشوع المخلوق بعظمة الخالق، وتعيد الحقيقة الأبدية إلى الخواطر البشرية في كل موعد من مواعد الصلاة، كأنها نبأ جديد.
الله أكبر. الله أكبر. تلك هي دعوة الأذان التي يدعو بها المسلمون إلى الصلاة، وتلك هي الدعوة الحيَّة التي تنطق بالحقيقة الخالدة ولا تومئ إليها، وتلك هي الحقيقة البسيطة غاية البساطة، العجيبة غاية العجب، لأنها أغنى الحقائق عن التكرار في الأبد الأبيد، وأحوج الحقائق إلى التكرار بين شواغل الدنيا، وعوارض الفناء. المسلم في صلاةٍ منذ يسمعها تدعوه إلى الصلاة؛ لأنه يذكر بها عظمة الله، وهي لب لباب الصلوات. وتنفرج عنها هدأةُ الليل، فكأنها ظاهرةٌ من ظواهر الطبيعة الحية تلبيها الأسماع والأرواح، وينصت لها الطير والشجر، ويَخِفُّ لها الماء والهواء، وتبرز الدنيا كلها بروز التأمين والاستجابة منذ تسمع هتفة الداعي الذي يهتف بها إن الصلاة خير من النوم.
فتخرج كلها إلى الحركة بعد لمحة أو لمحتين، وتقول كلها: إن الحركة صلاة خفيَّة بيد محرك الأشياء، وإن الصلاة خير من النوم.
وإذا ودع بها الهاتفُ ضياءَ النهار، واستقبل بها خفايا الليل فهو وَدَاعٌ متجاوبُ الأصداء، كأنه ترجمان تهتف به الأحياء، أو تهمس به في جنح المساء، وكأنه ينشر على الآفاق عظمةَ الله، فتستكين إلى سلام الليل، وظلال الأسر والأحلام. وإنها لتسمع بالليل ثم تسمع بالنهار، تُسمع والنفوس هادئة كما تسمع والنفوس ساعية مضطربة: توقظ الأجسام بالليل، وتوقظ الأرواح بالنهار، فإذا هي أشبهُ صياحٍ بسكينة، وأقرب ضجيج إلى الخروج بالإنسان من ضجيج الشواغل والشهوات.
حي على الصلاة! ، حي على الفلاح! نعم هذا هو الفلاح جد الفلاح؛ لأن كل فلاح بغير الإيمان هو الخسار كل الخسار.
وما يُعْرَفُ وقعُ الأذان من شيء كما يُعْرَف مِنْ وقْعِه بمعزل عن العقيدة، ومعزل عن العادة والسنة المتبعة، أو كما يُعرف مِنْ وَقْعه في بدائه الأطفال، وبدائه الغرباء عن البلاد، وعن عقيدة الإسلام. ففي الطفولة نسمع الأذان، ولا نفهمه، ولكننا نميزه حين يحيط بنا بين دعوات هذه الأرض وبين صيحات اللعب، وصيحات البيع والشراء، ونؤخذ به ونحن لا ندري بم نؤخذ، ونود لو نساجله، ونصعد إليه، ونستجيب دعاءه، ويفسره المفسرون لنا بأمر الله فنكاد نفهم كلمة الأمر، ونكاد نفهم كلمة الله، ولكننا نحار في البقية ونحيلها إلى الزمن المقبل.
ثم نقضي السنوات بعد السنوات من ذلك الزمن المقبل ونحن نتعزى من حيرة الطفولة بأننا ما نزال حائرين، وإن سُمِّيت الحيرة بأسماء بعد أسماء، وأطلق عليها عنوان بعد عنوان. وفي الذكريات أصداء تكمن في النفس من بعيد، ويلتفت المرء لحظةً من اللحظات، فكأنما هو قد فرغ من سماع تلك الأصداء منذ هنيهة عابرة، ثم التفت على حين غرة؛ ليرقب مصدر ذلك الصدى الذي سرى إليه.
إن أبقى هذه الأصداء في كل ذاكرة لهي صيحة الأذان الأولى التي تنبهت إليها آذان الطفولة لأول مرة، وما تزال تبتعد في وادي الذاكرة، ثم تنثني إليه من بعض ثنياتها القريبة، فإذا المرء من طفولته الباكرة على مدى وثبة مستطاعة لو تستطاع وثبة إلى ماض بعيد أو قريب.
أما الغرباء عن البلاد وعن عقيدة الإسلام فما يلفتهم من شيء من شعائر العبادة الإسلامية كما يلفتهم صوت الأذان على المنائر العالية كيفما اختلف الترتيل والتنغيم. يقول إدوارد وليام لين صاحب كتاب أحوال المُحْدَثين وعاداتهم: إن أصوات الأذان أخَّاذة جدَّاً ولاسيما في هدأة الليل. بلال بن رباح؛ فإن كان الترجمان ممن يعون طرفاً من تاريخ الإسلام فلعله ينبئه أن المؤذن الأول،- أول من رتل الدعاء إلى الصلاة- كان الخادم المقدس الذي اصطفاه نبي الإسلام لهذه الدعوة، بلال بن رباح،صاحب الضريح الذي يشار إليه للسائح في ناحية من دمشق حتى هذا اليوم.
وقد لمسنا نحن آثار الأذان البالغ في رُوْع كثير من السائحين والسائحات الذين ينزلون ببلدتنا أسوان خلال الشتاء، أو يمرون بها في الطريق من السودان وإليه. فإنهم كانوا يَصِلون إلى أسوان وقد سمعوا الأذان مرات في القاهرة والإسكندرية، وربما سمعوه في غيرهما من البلدان الإسلامية ولكنه كان يفاجئهم بجدة لا تبلى كلما طرق أسماعهم بالليل أو النهار _ ولاسيما في أيام الجمعة.
وكان من المصادفات الطيبة أن مؤذن الجامع الأكبر بالمدينة كان حسن الصوت منطلق الدعاء يمزج الغيرة الدينية بالغيرة الفنية في أذانه، فكان يخيل إلينا وهم يصغون إليه أنهم يتسمعون هاتفاً من هواتف الغيب يطرق الأسماع في وقت رتيب، أو يترقبون طائراً من طوائر الهجرة التي تأتي في الأوان ولكن كما يأتي كل شيء غريب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.