تمام العاشرة مساء كان موعد الانطلاق، السيارة التي أقلتهم من الفندق كانت تكفي بالكاد لثلاثتهم وصديقهم الذي نظم الرحلة ويقود أيضا السيارة، ول «الشرق» التي وافقوا أن ترافقهم، لكنها اتسعت أيضا لقلق كبير بدا على ملامحهم، لم يخفف من حدته سوى ابتسامة الصديق التي قدمها لهم مرارا وتكرارا، مصحوبة بوصفه لما أعد لهم من مفاجآت. «وصلنا»، قالها الصديق «حسام» وهو ينزل من السيارة ليتبعه البقية: «خالد» و»محمود « و»صفاء»، الذين تمتموا لبعضهم بعضا بلكنتهم المنتمية لإحدى دول المغرب العربي، قبل أن يسيروا خلف «حسام» بين أشجار الزيتون المنتشرة في المكان لعشر دقائق كاملة، ليصلوا أخيرا إلى وجهتهم التي لم يحلم أي منهم في الوصول لها في يوم من الأيام. «أهلا بكم في ضيافة المرابطين»، بهذه العبارة الترحيبية استقبل «أبو بلال» قائد مجموعة المقاومين المكلفين بالرباط في أحد المواقع القريبة من الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزة ضيوفه، الذين لم ينقطعوا لحظة عن تأمل وجوه أفراد مجموعته وما يحملونه من أسلحة، قبل أن يبدأوا في السؤال عن كل شيء، من المسافة التي تفصلهم عن الجيش الإسرائيلي، وحتى أنواع الأسلحة التي يحملها المقاتلون، ليكون ذلك بداية لليلة رباط جديدة يقضيها مجموعة من أفراد قوافل التضامن التي لا تنفك عن زيارة غزة، في رحاب المقاومين. بعد منتصف الليل بنصف ساعة، تبدو الليلة هادئة، فلا تقرير من وحدة الرصد الأمامية عن وجود تحركات لدبابات الاحتلال على الشريط الحدودي، ولا وجود لطائرات الاستطلاع التي تعرف من صوتها الذي يشق سكون الليل دون استئذان، وبالتالي لا مانع من أن يحتفي «أبو بلال» بضيوفه عبر أنشودة عزفت فيها الأحبال الصوتية للمقاوم الشاب «أبوضياء» على مشاعر الحاضرين وهو يردد «فتنت روحي يا شهيد، علمتها معنى الخلود». «ما الذي دفعك لهذه الرحلة الخطرة ؟» سؤال وجهته «الشرق» ل «صفاء» الشابة التي لم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها، فأجابت باندفاع: «أنا أحقق الآن أحد أهم أحلامي ولم أكن أتخيل أن أكون يوما مع المقاومين، لقد كان الوصول إلى قطاع غزة أصلا في مرحلة ما ضربا من الخيال، وهذه هي زيارتي الثانية له عبر القوافل، لكنها المرة الأولى التي أقضي فيها ليلة مع المرابطين، وهو شيء لا يمكن وصفه، إنها ليلة خمسة نجوم بامتياز، فلا أروع من أن تكون مع أشخاص مستعدون للموت في أي لحظة، وتشعر بأن الخوف لم يولد بعد في هذه البقعة من العالم». «حسام» الصديق الفلسطيني الذي رتب الزيارة التقط حبل الكلام من صفاء، واصفا ل»الشرق» الطلبات المتزايدة التي يتلقونها من الوفود الزائرة لغزة لزيارة مواقع المقاومين وقضاء فترة معهم ب «الكبيرة جدا»، مضيفا: «بعد الحرب الأخيرة على غزة والانتصار الكبير الذي حققته المقاومة، يرغب كثيرون في أن ينالوا شرف الرباط، لكن الأمر يبقى غير متاح للجميع بسبب حساسية المواقع التي تزار، وضرورة التأكد من هوية الزائرين لضمان سرية المقاومين». لا شيء أصعب في رحلات «الرباط» التي لا يمكن أن تتم إلا في الليل من لحظة المغادرة، فانتزاع الزوار من موقع الرباط ليتفرغ المقاومون لعملهم في مراقبة الاحتلال، يتحول كما وصف لنا «أبو بلال» إلى مهمة شاقة، فالبعض يرغب في البقاء حتى الصباح، والبعض الآخر يرغب في البقاء لأيام، أما الحالات الصعبة فتكون عندما يقرر أحد الزوار البقاء في قطاع غزة بشكل دائم والتطوع في صفوف المقاومة، ويصبح اقناعه بالعودة لبلده أمر أشبه بالمستحيل.