بعيداً عن أجواء الضوضاء والصخب التي عاشها سكان قطاع غزة ابتهاجاً بعيد الفطر، كانت رحلة «الشرق» في أول أيام العيد مع إحدى المجموعات الفلسطينية المقاومة على الحدود مع الأراضي المحتلة عام 1948، التي ما كان لها أن تحتفل بالعيد إلا على طريقتها الخاصة، فلا مجال لدى هؤلاء لترك الحدود حتى في العيد خوفاً من أي غدر إسرائيلي يتعرض له قطاع غزة كما جرى في أعيادٍ سابقة. بداية الرحلة كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء حيث الموعد المتفق عليه مع أبي خالد المرافق لنا في هذه الرحلة، لكن دقائق الانتظار توالت دون أن يصل أو يتصل، كانت ممتزجة بحبس للأنفاس والأسئلة، تُرى هل تكون الرحلة أُلغِيَت أم أن بعض الظروف والأوضاع الأمنية ستجعل وعد هذا الرجل بمرافقتنا للمقاومة في أيام العيد يذهب أدراج الرياح؟ الصبر الذي لا مفر منه فقط هو ما كان يحمل الإجابات على هذه الأسئلة. الحادية عشرة، هاتفي النقال يرنّ بعد انتظار ثلاث ساعات كاملة، فإذا به أبوخالد ليقول لي بلهجة غلب عليها طابع الملاطفة محاولاً فيها أن يعتذر على التأخر «أنا أراك الآن، تحرك للصعود للسيارة ولا تلتفت للخلف حتى لا تثير الانتباه». «سلم هواتفك وجهاز التسجيل للشاب الذي بجوارك»، هكذا طلب أبوخالد مني فور صعودي للسيارة التي لا يستطيع أي شخص ينظر لها من الخارج أن يرى ما يدور بداخلها، فقد غطى لونٌ أسود نوافذها، دقائق معدودة وقام الشاب الذي بجواري بتعصيب عينيّ كي لا أستطيع أن أرى المكان الذي ستصل إليه السيارة، الذي جئناه لنقضي فيه ساعات فمكثنا فيه يومين كاملين. الرحلة الحقيقية توقفت السيارة ورفع أبي خالد العصبة السوداء عن عيناي اللتين حاولتا أن تسترقا النظر في طبيعة المكان الموجودين فيه، لكن لا مجال لرؤية كثير فظلام الليل بسط أجنحته على المكان، وبالتدريج بدأت أتعرف على أفراد المجموعة التي سنصاحبها، أغلبهم كان من الشباب الذين يحملون أسلحة روسية الصنع، وجوههم مغطاة بلثام أو بدهان أسود يُخفي أغلب معالمها. عرفت من أبوخالد أنهم 12 مقاوماً، لكني لم أرَ منهم سوى ستة، فالبقية منتشرون حول المنطقة لتأمينها ويتبادلون الأدوار مع من بقوا معنا. «هل لي أن أرافق هذا الشاب؟» طلب وجهته لأبي خالد وأنا أشير لأحد المقاومين الذين تفرغوا للحراسة على بُعد ثلاثين متراً من موقعنا، كنت أراقبه من حين لآخر وهو يراقب بجدية ما يدور من حوله، يستخدم منظاره الليلي ويتحدث بشكل دائم عبر جهازه اللاسلكي لتوجيه تعليمات لزملائه، ووصف ما يجري دون أن يملّ. «اسمي أبومحمد ويمكنك أن تناديني به»، بهذه الكلمات التي خرجت منه بشكل عفوي ارتسمت علامات وجهه التي يغطيها الشحم، والتي ترصعها الأشجار، حاملاً سلاح كلاشينكوف روسي الصنع. أبومحمد كان حريصاً على مراقبة الأوضاع ونقل الجديد عنها لرفاقه في المجموعة، حاولت جاهداً أن أسأله عن شعوره وهو يقضي الليلة الأولى من عيد الفطر على الحدود، انتظرت قرابة الساعة حتى سنحت الفرصة لذلك، ليقول لي باستغراب بعد أن وجهت له السؤال «أنا أمارس دوراً كنت أحلم أن أقوم به بفارغ الصبر، تركت زوجتي ولم يمضِ على زواجي أكثر من ثلاثة أشهر، وتركت أهلي كي أحفظهم من أي غدر للاحتلال الإسرائيلي». سألته باستغراب كيف لعروس جديد تسمح أن يخرج زوجها في أول أيام عيد الفطر، ضحك بصوت خافت ليهمس في أذني بعد أن اقترب مني ليقول «والله لن تصدق لو قلت لك إنها من جهزت ملابسي وودعتني حين خرجت». قاطعني أبوخالد بضرورة مغادرة المكان والعودة إلى مكاننا الأصلي فلا مجال لأن نعطل عليه ما يقوم به أكثر من ذلك. كان الوقت يمضي سريعاً، فموعد صلاة الفجر حان وعلينا الاستعداد لأدائها برفقة المجموعة الأولى، فيما ستبقى مجموعة أخرى تواصل أداء مهامها لحين انتهاء المقاومين من أداء الصلاة ليقوموا بتبادل الأدوار. هدايا الأطفال بعد الصلاة هناك مساحة للراحة، أبوالبراء «كروان المجموعة» كما يحلو لرفاقه أن يلقبوه، بدأ ينشد مع شروق شمس صباح ثاني أيام عيد الفطر «سوف نبقى هنا.. كي يزول الألم.. موطني.. موطني»، فيما أخذ زملاؤه في المجموعة الثانية يرددون بصوت خافت نفس الكلمات، لكن مع الساعات الأولى لصباح اليوم التالي تفاجأ المقاومون بأطفال أحد شهداء المقاومة الذين تم ترتيب زيارة لهم للمنطقة التي اعتاد والدهم الرباط فيها خلال أيام العيد، لتقديم الحلوى للمقاومين وتقديم التهنئة لهم بمناسبة العيد. كالعادة خطاب1: يا خطاب 2 هل تسمعني (صوت جهاز اللاسلكي) لأبوخالد. خطاب2: نعم خطاب أسمعك بوضوح. خطاب1: عدد من الآليات الإسرائيلية تتقدم بضعة أمتار، يُرجى أخذ الحيطة والحذر والانتشار مع المجموعة. طلب أبوخالد من الأطفال مغادرة المكان برفقة أبومؤمن أحد المقاومين للتأكد من سلامتهم، والتقط أبوخالد جهازه اللاسلكي وبدأ يتحدث لأفراد المجموعة كلٍّ على حدة ويعطيهم التعليمات، فيما بدأت طائرات الاستطلاع تحلق بشكل مكثف. بدأت حرارة الشمس تزداد شيئاً فشيئاً، فالساعة شارفت على الحادية عشرة والوضع الأمني بات معقداً وأصبحنا جاهزين لأسوء الاحتمالات، وهي أمطار من الرصاص كالسيل من آليات الاحتلال والطيران الذي أصبح منتشراً في كل مكان. «انبطح خلف تلك الصخرة الموجودة بجوار الأشجار ولا تتحرك فالوضع صعب»، أبوخالد مخاطبني قبل أن يقاطع حديثه صوت زخات من الرصاص متقطعة أطلقتها إحدى الآليات العسكرية، ليرد عليها المقاومون بوابل من الرصاص، قبل أن تشيع أجواء من الهدوء والترقب في المكان. دقائق مرت والمقاومون منتشرون في المكان دون حراك، ولا يُرَى أي أحد منهم، «بإمكانك التحرك الآن فالآليات انسحبت قليلاً، اسمي أبوأحمد وسأرافقك مؤقتاً لحين عودة أبوخالد». كان يحمل سلاحه ال250 المتوسط محزماً بأمشاط من الرصاص، وقد أخفى علامات وجهه ببعض الشحم الأسود، واضعاً بعض أغصان الشجر على جسده لإخفاء تفاصيله، سألته هل ما جرى مفاجئ بالنسبة لهم وغير متوقع، ليقول بلهجة غلب عليها طابع الاستغراب «على العكس نحن نتوقع الأسوأ، ونكون على أهبة الاستعداد للموت في أي لحظة فقد اعتدنا على مثل هذه المعارك». خطاب1: العصفور خارج القفص (انسحاب قوات الاحتلال والعودة لقواعدها). خطاب2: جيد استلمت، عُلِم ويعمم على باقي أفراد المجموعة. بعد ساعات من حبس الأنفاس عادت المجموعة من جديد كي تتناول طعام العشاء بعد أن حرمتهم قوات الاحتلال من تناول وجبة الغداء، فيما كان واضحاً عليهم الجوع الشديد وحالة التعب والشد العصبي التي سيطرت عليهم.كانت فرصة لتوجيه عدد من الأسئلة للمجموعة عن عملهم اليومي وكيفية التعامل مع المواقف الصعبة، بادرت بسؤال قائد المجموعة أبوخالد عن كيفية متابعة أي تقدم إسرائيلي على الحدود، فقال «هناك مجموعات منتشرة في مناطق مختلفة على الحدود وظيفتها رصد أي تحرك إسرائيلي على الحدود وإبلاغ المجموعات المسلحة كي تكون على أهبة الاستعداد»، صمت فجأة بابتسامة ارتسمت على وجهه ليقول «اعتدنا على ذلك وبالذات في أعيادنا، ففي إحدى المرات خضنا معركة ضارية استمرت لساعات قبل أن تعاود قوات الاحتلال الانسحاب». نهاية الرحلة قبل انتصاف الليلة الثانية أُبلِغنا بأن موعد المغادرة سيكون مع تمام الساعة الثانية عشرة صباحاً، فيما سيظل باقي المجاهدين لإكمال يومهم الثاني، لكن ونتيجة للأوضاع الأمنية الصعبة اضطُرِرنا لقضاء اليوم الثاني والانسحاب مبكراً عند ساعات الصباح. كان الوقت يمر سريعاً، فقد توجهت غالبية المجموعة للنوم، فيما بقي ثلاثة من المقاومين الذين ناموا في اليوم السابق لمراقبة الأوضاع وتسلّم التعليمات في حال الطوارئ، بقيت الأوضاع على ما يرام حتى ساعات الصباح الأولي، حين طُلِب مني الاستعداد للمغادرة برفقة أبي خالد وأحد مرافقيه الذي قام بتعصيب عينيّ من جديد لأعود إلى مدينة غزة وهي تستقبل ثالث أيام عيد الفطر. مقاوم يطالع قوات الاحتلال بمنظار مكبر (الشرق)