يمتدح الانجليز أنهم وقد أوغروا صدور شعوب كثيرة بمخلفات مآسي الاستعمار وأن كثيرا من الجراح الغائرة ما كان لها أن تستمر لولا أن الانجليز لم يأبهوا بالمستقبل البشري لناس تلك الجراح ولكنهم اهتموا بمصالحهم مثلما هو الحال في كشمير وفلسطين.. يمتدحون بأنهم تركوا لشعوب كثيرة أساسيات حضارية راقية ابتدأها الانجليز وكان من السهل أن تبقى تلك الشعوب متخلفة للغاية لولا فرض النمط الغربي اقتصاديا وديموقراطيا عليهم.. وامتداح الانجليز في ذلك يأتي عند المقارنة مع ما خل فه الفرنسيون من ديمومة تخلف وفقر وجهل لدى الشعوب التي استعمروها ولعل مقارنة أوضاع شعوب غرب افريقيا التي تعيش تحت خط الفقر حيث تواجد هناك الاستعمار الفرنسي مع شعوب جنوب شرق آسيا.. استراليا.. سنغافورة.. هونج كونج بما هي عليه من تقدم حضاري وثراء اقتصادي حيث تواجد هناك الانجليز الذين تحتسب لهم هذه المقارنة الكثير من مبررات الامتداح. وأتصور أنه من الخطأ القول إن الانجليز قد غابوا تماما عن آفاق السياسة الدولية.. فهذا قد حدث لجميع دول أوروبا الاستعمارية في الماضي بينما لاتزال اللغة الانجليزية والذهنية اللندنية ترشدان جموح السيادة الأمريكية, أين تنشر قواها وتحديد من هو الأجدر بالحصة الأوفر من مرارة القهر.. نعم للانجليز مآثر لا تنكر في شرق آسيا وأتصور أنهم تركوا بعض البدايات الحضارية في العالم العربي لولا أن العرب الذين ثاروا على مثاليات الإسلام لم يكن من السهل أن يتقبلوا نماذج غربية هي غريبة عنهم فعلا .. بينما تملك الانقلابات العسكرية وهج الفروسيات الخيالية حتى ولو كانت ضد كل ما هو مفيد.. لعل من حسن حظ الاستراليين انهم عاشوا بعيدا عن مؤثرات الكرة الأرضية البشرية خصوصا وأنهم يجاورون أكبر مستودع بشري آسيا ضم مآسي الفقر والجوع والتكاثر السكاني والغزو الاستعماري المتعدد الهويات ثم حروب الأشقاء.. فاستراليا بعزلتها عن الجوار الآسيوي والتحاقها مباشرة بالنموذج الغربي قد مكنها من صيانة وجود حكومات محلية تأتمر بإرادة حكومة مركزية في العاصمة, وحتى النموذج الغربي لم تأخذ منه إلا ما هو مطابق لمصالحها بما في ذلك النموذج الياباني المتكاثر اقتصاديا هناك حيث تعتبر شروط الاستثمار في بلد مليء بالمساحات الزائدة والشواطئ بآلاف الكيلومترات ومساقط المياه العذبة والغابات والتنوع الغذائي الزراعي مما لا تستطيع القدرة المحلية ملأه بسهولة.. تعتبر تلك الشروط قيودا صارمة الغاية منها تسهيل التحكم في العلاقة مع الآخرين كي يبقى البلد بوافر امكانياته مرهونا بالمصالح الوطنية المحلية, وفي هذا المجال لعل من الطريف الإشارة إلى قانون تملك محلي يمنع الأجنبي من شراء أي عقار غير جديد يملكه مواطن استرالي.. حيث إنه لو تم تفريغ البنايات المباشرة الصلة بالسواحل بفعل إغراء الأسعار العالية فإن ذلك سيعني وضع المواطنين في خط الدرجة الثانية في السكن مثلما هو الحال في جميع سواحل ومدن السياحة العالمية.