كلنا يستعجل أمور الحياة ويستبعد الموت بالطبع، نريد الغد أن يأتي الآن، نريد البذور أن تطرح ثمارها فور دفنها في التربة، لا نجيد فن الصبر مع أننا نردد بكل تلقائية أمثلة مثل (الصبر مفتاح الفرج) و(من صبر ظفر) و(العجلة من الشيطان) و(قد يكون مع المستعجل الزلل) وغيرها من المقولات التي لا تعني اي شيء على أرض الواقع، شاهدوا مقدار التأفف والتذمر أثناء الوقوف في الطوابير لدى البنوك وعند شبابيك تسديد مخالفات المرور. وبالرغم من رؤية الموظفين هناك وهم يعملون بكامل طاقاتهم لإنجاز طلبات المراجعين، نعم كنا نتضايق حين نرى انتهاكات علنية يقوم بها جماعة ال(V.I.P) وخضوع بعض العاملين لتلك الانتهاكات ولكن اليوم اصبح لهؤلاء الجماعة صالات خاصة بهم وموظفون يخدمونهم في البنوك وغيرها من الأماكن التي تحتفي بتلك الشرائح من الناس، الشاهد أن عدم الصبر اصبح سمة لمجتمعنا وهو ما يندهش له أي وافد لبلادنا في البداية لكنه يدخل في اللعبة ذاتها حيث يشعر بأنها قد تخدم مصالحه وقد حدث أن سائقاً وافداً كاد أن يسحق اسرة سعودية بسيارته لولا لطف الله وحسن تصرف سائق الأسرة وحين حضر المرور للتحقيق في الحادث اكتشف أن ذلك الوافد من بلاد ما زالت تستخدم البغال والحمير في تنقلاتها لا يحمل رخصة تجيز له قيادة أي نوع من المركبات ولا حتى رخصة (سيكل) وهذا شيء متوقع انما غير المتوقع وهو بيت القصيد في هذه الحكاية أن كفيل الوافد هو الذي دفع به (إن لم يكن أجبره) على قيادة تلك المدرعة بدون رخصة قيادة..!! أما لماذا حتى ينتفي العجب..؟؟ فقد أخفق الوافد في اجتياز الفحص بمدرسة تعليم القيادة، فمنحته المدرسة حسب النظام فرصة أخرى مجانية للتدرب ومن ثم الاختبار فأخفق مرة أخرى وهو ما يدل على أن الشخص يعاني من صعوبات معينة تحتاج الى معالجة الا ان صاحبنا الكفيل ليس لديه الاستعداد للصبر على العامل فأخذها من (قاصرها) كما يقال وأعطاه الضوء الأخضر لممارسة عبثه في شوارعنا حتى ارتكب الحادثة البشعة بحق تلك الأسرة السعودية المسالمة. لا أخفيكم سراً بأنني كنت سأكتب هذا الموضوع منذ زمن ليس بالقصير ولكنني كنت أؤجله بسبب مواضيع اكثر إلحاحاً بالطرح حتى وقع نظري بالصدفة على خبر بثته وكالات الأنباء ونشرته جريدتنا ضمن الأخبار الغريبة او الطريفة تحت عنوان (بعد 271 محاولة.. كوري جنوبي ينجح في اختبار قيادة السيارات) ويقول الخبر ان السيد (سيو سانج مون) قد نجح في الشق الاكاديمي من اختبار استخراج رخصة قيادة ولكن في المحاولة الثانية والسبعين بعد المئتين، وقال سيو وهو عامل صيانة شارف على السبعين من عمره إنه كان أمياً وإنه استغل عملية الاختبار لتعليم نفسه قواعد الطريق لأنه لم يكن يستطيع قراءتها في الكتيبات وتعلم سيو قليلاً في كل مرة يفشل خلالها في الامتحان وبعد 271 محاولة في خلال أكثر من خمسة أعوام استطاع الحصول على الحد الأدنى من الدرجات التي تؤهله لاجتياز الشق الاكاديمي من الاختبار. لا يوجد لدي تعليق أكثر من إيراد وصف بعض ربعنا حين يسمعون عن دأب وصبر تلك المجتمعات في البحث والدراسة وتقديم العبر والدروس بأنهم (ناس فاضيين)..!!