أقف احتراماً لمن يقدم المساعدات الإنسانية والعلمية التي تساعد الإنسان على مقاومة الظروف الصعبة في أي مكان. تلك المساعدات التي لاتحفل بالمعايير السياسية ولا تخضع لتصنيفات معينة. الزلزال العنيف الذي تعرضت له اليابان مؤخرا وما تبعه من طوفان جرف كل مافي طريقه من بشر وحجر، وسيارات وقطارات، وسفن، ومنازل هو تجربة انسانية تهم الإنسان على وجه الأرض مهما كان موقعه وهويته، واتجاهاته السياسية. ومن تبعات ذلك الزلزال المدمر إمكانية حدوث كارثة نووية... إنها حكمة إلهية تؤكد حقيقة عجز الإنسان مهما وصل في علمه وإمكاناته وقدراته. يحدث هذا وسط زلازل سياسية تعصف بالمنطقة العربية، وهي أيضا تؤكد حقيقة أن الإنسان يتوهم أحيانا انه إنسان خارق، وأنه يستطيع أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء ثم يكتشف متأخرا أنه كان يعيش في دائرة الوهم. ثورات الزلازل، والبراكين تذكر الإنسان مهما علا شأنه بقدرة الله، وأن الإنسان للإنسان ، وأن العلاقات الإنسانية بين الشعوب هي مفتاح السلام. العالم كله يتابع ماحدث في اليابان، ويتعاطف معها، ويعجب بالانضباط الذاتي الذي تتسم به الشخصية اليابانية. كانت هيروشيما كارثة سياسية وتمكنت اليابان بتلك الخاصية الانضباطية من تجاوز تلك الكارثة. اليوم تحدث كارثة فوكوشيما، والعالم كله يتعاون، ويأخذ العبر، ويدرس الحالة ويخضعها للمعايير العلمية، ويناقش قضية السلامة النووية. دروس كثيرة يتعلمها الإنسان من كارثة اليابان، وغيرها من الكوارث. اليابان تفقد في لحظات الآلاف من أبنائها، وتخسر (180) مليار دولار، وتتدمر بنيتها التحتية بصورة مماثلة لما حدث في الحرب العالمية الثانية، فالطرق، والسكك الحديدية، والكهرباء، والموانئ تحتاج إلى إعادة بناء ستكلف الكثير. ومع ذلك فإن القضية إنسانية بالدرجة الأولى والخسائر المادية لا أهمية لها مقارنة بخسارة البشر. إن منظر أم تبحث عن أطفالها لابد أن يحرك العالم أكثر مما يحركه التأثير الاقتصادي، وأكثر ما يزعج من ردود الأفعال تجاه مثل هذه الكوارث القول بأن الاقتصاد العالمي لن يتأثر بأزمة اليابان!! أكرر احترامي للمساعدات الإنسانية والعلمية التي تحقق التكافل الإنساني، وتوحيد الجهود، وأفخر أن بلدي هو من أوائل الدول في قضية المساعدات الإنسانية. في جانب آخر، تسابق المراسلون والعلماء العالميون إلى مواقع الأحداث في اليابان، وكنت أتطلع إلى مشاهدة مراسل عربي هناك ينقل إلينا بلغة علمية ذلك الحدث الفريد، وأن نعمل على الاستفادة من الدروس العلمية من خلال الجامعات والمؤسسات والمعاهد المتخصصة، بدلا من تقديم بحوث نظرية تحال إلى رفوف المكتبات. وأختم بوقفة احترام للمنقذين والاطباء والممرضين ومخترعي أجهزة الإنقاذ والكشف عن المطمورين تحت الأنقاض. وكل من يعمل في الاسعاف والمساعدة في إنقاذ الارواح وأبعث برسالة منهم لكل من يفعل العكس.