نظمتها وزارة البلديات بمشاركة أممية.. ورشة لتطوير السياسة الحضرية بالسعودية    القيادة الكويتية تهنئ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد بمناسبة ذكرى يوم التأسيس    أمانة جدة تعتمد برنامجًا احتفائيًا بمناسبة يوم التأسيس    الريال السعودي.. رحلة عُملة بدأت بأسواق الدرعية    رغم التحذيرات العسكرية المتبادلة.. محادثات جديدة مرتقبة بين واشنطن وطهران    أكدت الترتيب لإعادتهم لبلدانهم.. بغداد: بقاء عناصر داعش المنقولين من سوريا مؤقت    «سلمان للإغاثة» يختتم توزيع أكثر من 23 ألف كرتون من التمر في وادي وصحراء حضرموت    روسية تقتل والدتها بسبب الهاتف    البرهان يهنئ خادم الحرمين وولي العهد بمناسبة يوم التأسيس    في الجولة العاشرة(المؤجلة).. الأهلي لحصد نقاط ضمك.. وديربي شرقاوي مشتعل    مراهقون صينيون يحطمون رقمين عالميين    في الدوري الأميركي لكرة القدم.. انطلاقة غير موفقة لميسي.. وسون يتفوق مع لوس أنجليس    «الجوازات» تنهي إجراءات دخول معتمري رمضان    أمانة جدة تستقبل طلبات التسجيل في مبادرة «بسطة خير»    سلامات على فقندش    الوثيقة النجدية    الحج تصدر «دليل العمرة والزيارة» ب «16» لغة    تعزز نشر المحتوى الشرعي الموثوق.. 40 شاشة متعددة اللغات في الحرمين الشريفين    رفض دعوى «أجنحة منزوعة العظم»    مختص يحدد مواعيد أدوية القلب في رمضان    الصين تنافس بنموذج ذكاء مفتوح    رمضان ينعش البسطات بأحياء الدرب    NASA تؤجل مهمتها للقمر    ديوانية أجاويد 4 بسراة عبيدة تحتفي بيوم التأسيس    استخلاص نباتي صديق للبيئة    الشوكولاتة الداكنة وصحة القلب    طنين الأذن يهدد بإنذار صحي مبكر    ديوان المظالم يحتفي مع منسوبيه على أرض الدرعية بذكرى يوم التأسيس    السودان: «الدعم السريع» تسيطر على الطينة شمال دارفور    يوم التأسيس جذور دولة ورسالة سلام    الرياضيون يهنئون القيادة بيوم التأسيس    المديرية العامة لحرس الحدود تقيم عروضًا برية وبحرية احتفاءً بذكرى يوم التأسيس    فعاليات متنوعة في غاليريا مول في الجبيل الصناعية احتفالاً بيوم التأسيس    الأسواق الشعبية بالباحة.. عمق الهوية الوطنية    قصر القشلة بحائل.. ذاكرة يوم التأسيس    اللغة هوية الوطن    وزير التعليم يكلف سبعي بالملحقية الثقافية في الدوحة    مسيرة أمنية في أبها احتفاءً بيوم التأسيس    الرياض تتزين احتفاءً بيوم التأسيس    وزارة الداخلية تستكمل مبادرتها النوعية "مكان التاريخ" لإحياء مواقعها التاريخية    الإفطار الرمضاني.. يعزز أواصر الجيرة في المدينة    مدفع رمضان.. صوت الإفطار في ذاكرة الحجاز    "الشؤون الإسلامية" تنظّم مأدبة إفطار للصائمين في المسجد الجامع بالعاصمة الكينية نيروبي    ولي العهد يزور مسجد قباء    ب«2 هاتريك» وثنائية.. الثلاثي يشعل صراع الهدافين    بين الحوكمة والتنافسية السعودية تعزز مكانتها    حوكمة الترميز العقاري    إدانات عربية - إسلامية لتصريحات السفير الأميركي في إسرائيل: تهديد جسيم لأمن المنطقة    م. سلطان الزايدي: يوم التأسيس... جذور راسخة ومسيرة وطن .    المرور يدعو للالتزام بإرشادات السلامة خلال احتفالات يوم التأسيس    الجمعية السعودية للروماتيزم: الدكتورة حنان الريس تهنئ القيادة بمناسبة يوم التأسيس    أسسها الملك عبدالعزيز على ركائز متينة.. السعودية.. نموذج فريد للوحدة في العصر الحديث    مواعيد محددة لزوار الروضة الشريفة    نيوم يتغلّب على الخليج بهدف في دوري روشن للمحترفين    التعادل يحسم مواجهة الهلال والاتحاد في دوري روشن للمحترفين    يوم يخلد التحولات الإيجابية للوطن    من الكتاتيب لأجيال متسلحة بالعلم والمعرفة    113 مخالفا كل ساعة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



داء الفقد
ايقاع الحرف
نشر في الرياض يوم 03 - 02 - 2011

هناك يومٌ بائس يتربّص بنا، وما من أحد إلا وقد عاش هذا اليوم أو سيعيشه حينما يفقد عزيزًا عليه. ويأتي الحزن من بين أبرز الفتن النفسيّة التي تعصف بحياتنا وتترك أثرًا لا يمحوه الزمن. وهناك من يتمكّن بقدراته العقلية من النهوض من هذا البؤس مستخدمًا وسائل متعددة من بينها الدين والفن باعتبار كل واحد منهما يقدّم -بطريقته- منفذًا لعالم بديل. وفي المقابل، هناك من تخذله قواه فيصبح فريسة للحزن ويصاب بداء الفقد.
والدين بشكل عام يقدّم فلسفة واضحة للموت بأنه يمثل مرحلة ضرورية للعبور إلى حياة أخرى أسمى وأجمل. وتوضح النصوص القديمة السومرية والبابلية وجود فكرة البعث بعد الموت، وهو ماتؤكده الديانات السماوية التي ترسخ فكرة خلود الإنسان، على أساس أن الموت ليس سوى محطة عبور بين حياتين. ويجد المؤمنون بذلك عزاء يخفف من لوعة الفراق الحسية. أما الفنّ، فقد قام منذ أقدم العصور بتجسيد فكرة خلود الإنسان من خلال الرسوم والنقوش والأشعار من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه يسعى إلى تقديم خيال تعيش فيه الذات الإنسانية عالمًا بديلا يُمكن الركون إليه في استحضار الفقيد أو الذهاب إليه.
وتوضح الأمثلة القديمة والحديثة أن الفن أعتق عددًا من الناس من الدمار العقلي والنفسي الذي يمكن أن يلحق بهم نتيجة الفقد.
وحينما نتأمل الفقد من ناحية نفسية، فلابد من ملاحظة وجود مصطلحات أخرى ترافقه مثل: الحداد والحزن والكمد. وهناك من يربط بين الفقد والحزن على اعتبار أن الفقد حدث والحزن حالة ناتجة عنه. ومع كثرة الدراسات النفسية والفلسفية عن الحزن إلا أن تعريفه ظل صعب المنال؛ ويضعه عالم النفس فرويد ضمن عالم السوداوية، ويرى أنه حالة منظمة من التشويش داخل العقل. ويربط بينه وبين الفقد موضحًا أن أبرز مظاهره هو ما ينشأ على أنه ردة فعل لفقدان شخص محبوب، أو فقدان بعض الأفكار التجريدية، مثل بلد المرء، والحرية، والهدف..إلخ. ويجد أن الفقد ردة فعل للخسارة؛ حيث تكتسب "الأنا" استقلاليتها بعد إنشاء ارتباطات جديدة، وبهذا يمثل الفقد مسارًا مُعقدًا في السوداوية، يرفض فيه المرء تقديم العزاء وقبوله. وفي هذه الحالة، يدرك المكلوم أن المحبوب قد مات ولم يَعُد موجودًا، ولكنه يفشل في أن يُدرك الخسارة كخسارة، ويستمر في ارتباطه بالفقيد الغائب. ومن هذا المنطلق، تتشبث الرغبة بذلك الفقيد بطريقة معقدة؛ حيث تنكر الخسارة نفسها إلى درجة أنها تصبح مُلتفة بإحساس فقدان المثالية مع المفقود. يشير فرويد إلى أن المكلوم «يعرف من الذي افتقده، ولكن لا يعرف ما الذي فقده فيه»؛ فيبقى ما افتقدته غير مُحدّد في اللاوعي، ويؤسس ذلك هوية جديدة مع "الأنا".
وبسبب هذا الاتجاه الانحرافي في استجابات الخسارة، يبدأ المكلوم رحلته مع السوداوية.
إن عدم القدرة على التخلي عن الفقيد، وإدراك ما تم فقده فيه، يتسببان في إبقاء المكلوم قابعًا في الماضي، غير قادرٍ على إقامة علاقات جديدة. يُقر فرويد، فيما يخص الفقد، بأنه عالم فارغ من الحدود؛ أما السوداوية فهي الأنا بعينه. وبشكل واضح، تم نقل ردة الفعل على الخسارة إلى السوداوية، بالنظر إلى أن المرء يطوي هذه الخسارة في باطنه، مشيرًا إلى شيء ما قد فُقد في الذات. وفي نهاية المطاف، يؤدي هذا إلى الإحساس بالفراغ والاحتياج من خلال الأنا نفسها؛ فتحتضن الأنا فقيدها، ويصل المرء إلى الكمد الذي يظهر فيه هجوم شرس من قِبل صوت غاضب أجَش، يخلق مرضًا يتمثل في إفقار الأنا وتلاشيها.
وقد زخرت الفنون على مر التاريخ بتعبيرات مختلفة عن الفراق، ويتبوأ الشعر العربي مكانة في إبراز الرثاء الذي يأتي استجابة نفسية وعقلية لحالة البؤس التي يمر بها المرء بعد وقوع المصيبة، ومع هول الفجيعة قد يعجز المرء عن التعبير أو الخروج من دائرة الحزن.
وإذا كان أبو العلاء المعري قدّم نموذجًا فلسفيًا حول "هجعة الموت"، فإن المتنبي قد عرض الأمر من منطلق اجتماعي يمكن أن يجد فيه القارئ عزاء يتفق مع الأفكار السائدة حول فلسفة الموت. كما عبّر الشعر الشعبي عن هذه الحالة من الفقدان في قصائد مؤثرة نجدها بشكل واضح في قصائد من فقدوا زوجاتهم من الرجال أو من فقدن أزواجهن من النساء.
على أن الشاعر الحديث بدر شاكر السياب قدّم نموذجًا لشعر الحزن العميق الذي وصل حدًا من اللوعة تجعل البعض يقرأه على أنه غموض شامل أو على أنه وضوح تام كما في قصيدته الشهيرة: «سفر أيوب» التي نختتم بها هذه الزاوية، ونترك للقارئ تأملها وتفسير دلالتها:
«لك الحمد مهما استطال البلاء ومهما استبدّ الألم،
لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
ألم تُعطني أنت هذا الظلام وأعطيتني أنت هذا السّحر؟
فهل تشكر الأرض قطر المطر وتغضب إن لم يجدها الغمام؟ شهور طوال وهذي الجراح تمزّق جنبي مثل المدى
ولا يهدأ الداء عند الصباح ولا يمسح اللّيل أوجاعه بالردى
ولكنّ أيّوب إن صاح صاح: «لك الحمد، إن الرزايا ندى
وإنّ الجراح هدايا الحبيب أضمّ إلى الصّدر باقاتها هداياك في خافقي لا تغيب، هداياك مقبولة. هاتها!»
وللحديث بقية.. وقد تذكرت بهذا فقد ابن عزيز عليّ، ورغم صغر سنّه إلا أنه كان سيدًا من سادات العرب، رحمه الله رحمة واسعة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.