دائماً ما يحدث أن تتناقض آراء وأحكام الناس حول أي عمل فني أو حول فنان ما، وهذا ما يبعث على التساؤل: هل يوجد مقاييس موضوعية للحكم على أي فنان أو أي عمل؟ أم أنها مجرد آراء ووجهات نظر شخصية محضة؟ اسمحوا لي على هذا السؤال الذي أرى فيه سذاجة وتسطيحاً للمسألة، فالإجابة عليه سهلة وواضحة عند الغالبية من الجمهور وهي أنها آراء ووجهات نظر يمتاز بها هذا الشخص عن ذاك، وهذا القول وما يحمله من عقلانية يناقض فعلاً تصرفات هذه الغالبية من الجمهور الذين سرعان ما يغضبون وينزعجون عند أي رأي يخالفهم حول أي فنان يحبونه ويعشقون فنه، وتراهم يطلقون على هذا المخالف عبارات السخرية والاستهزاء، وأنه كان من الأجدر به أن يحتفظ بآرائه لنفسه ويتناسون في نفس الوقت أن رأيهم فيه - أيضاً- كان من الأجدر بهم أن يحتفظوا به لأنفسهم، لأنه مجرد رأي، و"الاختلاف بالرأي لا يفسد في الود قضية" أليست هذه الجملة الأشهر التي يقولها المتعصبون الذين يكرهون ويرفضون أي رأي يخالفهم!. هناك التباس حقيقي في الفهم الفني عند الغالبية من جماهيرنا، فأحياناً تشعر أنهم لا يفرقون بين الابتذال والفن الحقيقي، بين (الموسيقى) و(الشكشكة)، بين (الغناء) و(الصراخ)، بين (الرقص) و(هز الخصر). ومن سوء حظ الفن وحظنا أن الإعلام أصبح هو المحرك الأساسي الذي يلعب الدور الأخطر في تشكيل ذائقتنا الفنية في عصرنا الحالي. وهو الذي استطاع بأدواته وأسلحته المتعددة، المشروعة منها وغير المشروعة، أن يصنع أشباه فنانين وأشباه فنانات وأن يكوّن لهم أيضاً قاعدة جماهيرية بعد أن كانت الموهبة والنبوغ هي السمات الوحيدة التي تصنع المبدعين والعمالقة في زمن مضى. لقد أصبح الجمهور الحالي، وخاصة من الشباب، ضائعاً ومشتتاً، وقليل الثقة بنفسه يقبل هذا الزيف الفني الذي يحيط به من كل مكان، وشيئاً فشيئاً يصبح هذا الزيف هو الحقيقة المطلقة التي لا يقبل إلا بها ولا يقبل بغيرها من آراء مخالفة. وفي ذات المنحى يكون الفنان، الذي يحق لنا تسميته بالمسكين، فهو عندما يرى هذه الجموع من الجماهير الملتفة حوله يصيبه شيء من الغرور وجنون العظمة و(لا يرى غيره من ولد في هذا البلد)، وعندها تقع الطامة الكبرى أو الخدعة المزدوجة، فالجمهور لا يرى منافساً لفنانهم الخالد وفلتة عصره (أو كل العصور!)، وكذلك الفنان لا يسمع من الآراء حوله إلا تلك الآراء التي يقولها جمهوره عنه، ويتصور أن كل الآراء المخالفة ليست إلا آراء حاقدة وغيورة!. وللأسف أن تصرفات الفنانين أحياناً تكون أكثر سلبية من تصرفات الجمهور، فنادراً ما نستمع إلى تصريح لأخينا الفنان لا يحمل فيه تهجماً لفنان آخر، أو تقليلاً من فنه أو موهبته، أو ينزع عنه لقب (إمبراطور الفن) أو (فنان بني يعرب) ويلبسه على نفسه! وتبدأ بعدها المعركة ويشتد القتال فنرى جمهور هذا الفنان (القاتل) يدافع عن هذا التصريح ويجد فيه الصدق والحقيقة، وفي نفس الوقت نرى جمهور الفنان (القتيل) يدافعون ويذودون عن فنانهم ويفدونه بأرواحهم لو استطاعوا!. وهذه الأمور كلها هي التي تخلق التعصب، وهي التي تجعل من كاتب مسكين مثلي يقول رأيه الشخصي فيجد نفسه مرمىً لسهام هؤلاء المتعصبين الذين يرون "الاختلاف في الرأي هو المفسدة الكلية لكل قضية".!