عند الانتقال من»الموسمية» إلى «الديمومة» ومن «سياحة الاستهلاك» إلى «سياحة الاستدامة»، وعبر ذلك التحول الجذري في مفهوم «صناعة المكان»، تأتي الفنون كاستثمار استراتيجي وجسر يتعاظم عليه الاستثمار والاقتصاد الإبداعي. فلم يعد الفن اليوم مجرد «لوحة على جدار» أو «مجسم في ميدان، أو «ترفاً» هامشياً في قطاع السياحة، «بل هو اللغة البصرية التي تتحدث بها المدينة مع زوارها، والوسيط الذي يختصر المسافات بين الثقافات، والنص الإبداعي الذي يمنح المدن الحياة والجاذبية والبعد الحضاري الذي يجعل من جدرانها وساحاتها ذاكرة حية نابضة تتنفس بالجمال والإبداع. فالفن هو «البوصلة» التي توجه تدفقات السفر الحديثة، وتحول «الزيارة» من مجرد نزهة عابرة ومزارات، إلى (تجربة وجدانية تفاعلية يعود منها الزائر وهو يحمل في وجدانه جزء من روح المكان وعبق الإرث الإنساني -وممارسة داخل وجهة ينقب فيها عن «قصة للمعايشة» وليس مجرد فندق للإقامة)، وهو الأمر الذي يعمق المشاركة والانتماء للمكان، ويحفز ذلك الزائر لقراءة (قصة شعب، وفلسفة تاريخ ومكان، وطموح مستقبل) من خلال الفنون، ورؤية عملية الخلق الإبداعي في المكان لا المنتج النهائي فقط. ففي ظل اقتصاد التجربة، تأتي المدينة التي تتنافس وتستثمر في الفن، لتكتسي بالهيبة الثقافية والمكانة الدولية، والوجهة التي تحافظ على بريقها ليبقى اسمها محفوراً في سجل الحضارة تراهن به على «الخلود السياحي» والدوام والانتقال من «السياحة الاستهلاكية» إلى «سياحة الإثر» بفضل احتضانها للإبداع والمبدعين والحرفيين والمطورين، لتقديم «قيمة» وأثر جمالي لا ينضب. المهرجانات والفاعليات الفنية ما ب ين السياحة التفاعلية والسياحة التشاركية عبر نمط جديد من السفر، وفي سياحة الفن، فإن الزائر وعند مغادرته للمكان، يأخذ معه قطعة من روح المدينة الإبداعية ليغرسها في ذاكرة العالم، محققاً بذلك أقصى درجات الاستدامة الثقافية. لذا تتعاظم أهمية السياحة الفنية وتنظيم المهرجانات والفعاليات الفنية الكبرى مثل: البينالي والسمبوزيوم والمعارض الجماعية، (خاصة في مجال النحت)، كعملية حية لا تكتفي بتقديم عرض فني، بل تخلق «أحداثاً استثنائية» تضع المدينة تحت مجهر الاهتمام العالمي بما يغير ديناميكية الحركة السياحية المتخصصة ذات القيمة الاقتصادية. فالفنون وخاصة المنحوتات الميدانية والتكوينات الفراغية هي التي تمنح كل مدينة «بصمتها الوراثية» التي تميزها عن غيرها، ويرسخ من مكانتها كوجهة للإبداع ومركز إشعاع ثقافي يقصده المنقبون عن الجمال، حيث تتحول الميادين لأيقونات بصرية تُحفر في ذاكرة السائح، وتنقل المدن لتجارب إنسانية ملهمة يتحول خلالها الفنان من مبدع للجمال لصانع ومسطر فاعل في «الخريطة السياحية الجديدة»، واستثمار الفضاءات في المباني التاريخية والميادين والقطاعات الحكومية والخاصة والجامعات والمصانع كمقار للعروض، مما يعيد اكتشاف جغرافية المدن سياحياً، وهو ما يجعل الرحلة تجربة روحية تلامس الذاكرة. ومن هنا، تأتي السياحة التفاعلية لتخلق رابطاً عاطفياً بين الزائر والعمل، وتجعل من «عملية الإبداع» نفسها مزاراً سياحياً، ويتحول «موقع العمل النحتي» إلى «مسرح حي مفتوح» يعرض عمليات النحت الفراغي المكاني، والذي يجسد صراع النحات مع الكتلة والتنقيب عن الأشكال بداخلها، وهو المناخ الذي يسطر مساحة لكي يشاهد الزائر «ميلاد العمل الفني» ويوثق مراحل التكوين (من الكتلة الخام إلى اللمسات النهائية)، حيث دراما تهذيب الصخور الصلبة الصماء، ورؤية الشرر المتطاير، وسماع صوت ضربات الإزميل، وتسوية الأسطح وتصاعد الغبار الأبيض، خلال منظومة تعزز دور ذلك الزائر كجزء وشاهد على لحظة تاريخية. هي «سياحة تشاركية» تكسر الحاجز التقليدي بين المتلقي والعمل الفني، ليحدث التواصل المباشر، والحديث مع النحات حول فلسفة العمل ونوع الخامة، وهو ما يحول العمل الفني من «شيء صامت» إلى «قصة إنسانية» تعضد القيمة العاطفية للوجهة السياحية، وتجذب السائح المعاصر الذي يبحث عن «الأصالة» والهوية وصدق التجربة. فالمجسمات النحتية لا تظهر فجأة ولاتعرض في ساحة متحفية خلف واجهة زجاجية، بل في احتفالية ذات فلسفة يصبح فيها الفنان هو «البطل المروض» والحجر هو «المنافس». وكجوهر للاستدامة في السياحة الفنية وتشكيل «الرئات الجمالية» للمدن الحديثة، تتحول «المواقع» وبعد انتهاء الفعاليات، إلى متاحف مفتوحة «متاحف بلا جدران» ترسخ للهوية البصرية، وتحول المكان من مجرد نقطة عبور جغرافية صامتة إلى «فضاء اجتماعي» نابض بالحياة والفن، وحيز تتحطم فيه الرتابة وجمود رؤية المنظر، بمنحوتات فراغية تتحول فيها الوسائط الصلدة إلى كيانات مزروعة داخل المحيط تؤسس لحوار بصري بين المشاهد والمحيط، يقرؤها الزائر «كميثاق حضاري» يعلن عن قيم هذا المجتمع. إضافة إلى تدشين مسارات سياحية حية للمشاة «خرائط الجمال»، لتحفيز الانتباه والتمعن بها والتوقف، لجعل «الفراغ العمراني» تجربة إنسانية ملهمة تتجدد مع كل زائر، فالفراغ في المدينة ليس مجرد مساحة مهملة، بل هو «رئة» بصرية ومتنفس جمالي، أساسه التعزيز بقطع فنية ومنحوتات ثابتة، بما يرفع جودة الحياة البصرية لسكان المدينة وزوارها، وإنعاش المناطق المحيطة بهذه المسارات تجارياً (كالمقاهي والمكتبات والجاليريات الصغيرة). تزيد من جاذبية «الفراغ العمراني» وإحيائه، وأنسنة المدن بمجسمات (مستوحاة من التراث أو تطلعاً نحو الحداثة) تمنح الفراغ صبغة إنسانية، تمنح «المار» لحظة من التأمل والدهشة وسط ضجيج الحياة اليومية، وتشعره بالألفة والانتماء للمكان، عبر تواصل بصري متكرر يؤسس لنوع من «الصداقة» بين الإنسان والعمل الفني، فالفن يخاطب الحواس والعاطفة، بما يقلل من حدة العمارة ويهيئ مناخ بيئي محيط أكثر رحابة، لصياغة ذاكرة المدينة وتنشيط مساراتها السياحية بذكاء وعمق. هذا إلى جانب دور الفنون في كسر حاجز «الاغتراب العمراني» ومنح المكان مقياساً إنسانياً، يخلق فيه «الذاكرة الجمعية» وجعل فاعليات المدينة جزءاً من حكايات الناس وذكرياتهم، للانتقال لمرحلة «الاشتباك العقلي والوجداني» مع فنون وثقافة المكان، بما يمنح العقل أسئلة متجددة والوجدان ذاكرة لا تشيخ. *الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد