حين يكتب الدكتور سعود كاتب عن الدبلوماسية، فهو لا يكتب كمراقب أو منظر فحسب، بل يكتب بمداد الخبرة الأكاديمية العميقة والممارسة الرصينة التي صقلتها سنوات العمل في قلب الحدث مبرهنا في كتابه الأحدث «القوة الناعمة السعودية» على أنه أحد أبرز حراس الوعي الاتصالي في فضاءاتنا، حيث فكك مفهوم عالمي معقد وأعاد صياغته بصبغة سعودية خالصة تليق بمكانة المملكة ودورها الريادي الجديد. تضع خارطة الطريق الفكرية في الكتاب تأصيلا تاريخيا مدهشا عبر 5 فصول إبداعية، يربط بين عراقة الماضي ومفاهيم العصر الحديث؛ مستعرضا سوق عكاظ ليس كمنصة تجارية، بل كأقدم نموذج للدبلوماسية الثقافية العربية التي وظفت الشعر لصياغة الرأي العام والتواصل الحضاري. هنا تكمن براعة «أبي حسام»؛ فهو لا ينقل نظريات «جوزيف ناي، الأب الروحي لمفهوم القوة الناعمة » الذي أطلقه في أواخر الثمانينيات، تلك النظريات الجافة، بل ألبسها ثوبنا العربي الأصيل، ليخبرنا بلهجة الواثق: نحن لم نكن يوما خارج التاريخ، بل كنا نصنع «كاريزما الدولة » قبل أن يعرف المصطلح طريقه للقواميس الدولية. وفي سياق متصل، يضعنا المؤلف أمام أخلاقيات الدبلوماسية العامة كبوصلة قيمية تفرّق بصرامة بين القوة الناعمة الحقيقية وأدوات التضليل. ولمعرفتنا بأخلاق الدكتور سعود، فنحن لم نتفاجأ بتخصيصه فصلاً كاملاً عن الأخلاقيات؛ مقدما وجبة تنويرية تصحح المفهوم الخاطئ بأن القوة الناعمة مجرد بروباغاندا ، مشددا على أن المصداقية والإنصات وفهم ثقافة الآخر هي ركائز النجاح المستدام، ومؤكدا أن محاولات «غسيل السمعة» تنهار حتما أمام الحقائق، بينما تبني الدبلوماسية الأخلاقية نفوذا حقيقيا يعتمد على الثقة المتبادلة. وينتقل الكتاب لتحليل سيكولوجية الجذب من خلال مفهو «كاريزما الدولة»، مفسرا كيف تنبع القوة من مصادر جوهرية تتمثل في الثقافة الجذابة، والقيم السياسية المنسجمة، والسياسة الخارجية الشرعية. كما يوثق القفزة الاستراتيجية الكبرى في الأدوات الوطنية، منتقلا من العفوية التاريخية إلى المؤسسية الحديثة التي جعلت من رؤية 2030 قبلة عصرية للعالم عبر محاور السياحة والابتكار، مع تسليط الضوء على الدور المحوري لمركز الملك سلمان للإغاثة كذراع قوي للتأثير الأخلاقي العابر للحدود. وعلى الرغم من شمولية هذا السفر الفكري، إلا أن الطموح في فكر الدكتور يغرينا دوما بتطلب المزيد. فبينما كنت أغوص في حديثه الممتع عن الدبلوماسية الرقمية، تمنيت لو أنه أفرد فصلاً مستقلاً ل «أنسنة التأثير » ففي عالم اليوم، أصبح كل مواطن سعودي هو مشروع سفير يحمل كاريزما الدولة في سلوكه الشخصي. كنت أتوق لنهل رؤيته حول كيفية تحويل هذا الزخم الشعبي إلى قوة ناعمة منظمة تدافع عن صورة الوطن -بعفوية- واعية، لكنني أدرك أنه بذكائه المعهود قد ترك هذا الباب مواربا، وكأنه يلقي بكرة المسؤولية في مرمى وعينا الجماعي لنكمل ملامح الصورة خلفه. شكرا للدكتور سعود كاتب الذي منحنا في هذا الكتاب بوصلة وأدوات حقيقية لقراءة الواقع بعيون مستبصرة، محولا السياسة في جوهرها إلى تواصل إنساني عميق. بصيرة؛ القوة الناعمة هي ذلك العطر غير المرئي الذي يفوح من المنجزات الوطنية ليملأ أنوف العواصم قبل أن تصله تقارير السياسة.