ثقافة النجاح لا تقف عند عتبات التواضع، وانحناءات الشكر والعرفان للأيادي التي امتدت كموصل لتياره، بل تمضي ركابها بأصحابها لتنوِّخ بهم في مضارب المشاق والمعاناة الدافعة. فمدمنو الإبداع، كلما انتهوا من تحدٍّ، ظهر أمامهم آخر يحتاج نَفَساً أطول وقوة تحمل أكبر، فهم لا يرون النتيجة كما يراها الآخرون، بسبب انهماكهم طيلة الوقت في الهندسة والعمل والإتقان، الذي يأخذ من حجم وشكل دهشتهم بالمنتج، بخلاف من يشدُّه بريق ولمعان النهايات الذي يذهب بالأبصار عن رؤية الجبال التي احتملها أولئك المبدعون كضريبة الطموح لتقديم شيءٍ يوازي مستوى تطلعاتهم. إن هذا الثمن -رغم تكلفته الباهظة- هو الأداة التي تصقل الهمة وتجعل صاحبها يكتشف مخزون قدراته التي ما كان يتخيل وجودها في زمن بداياته البسيطة، فيصاعف جهده في سبيل التحدي مع النفس، وهذا ما يكشف وجهاً آخر للنجاح، وهو الوحشة التي يشعر بها المبدع كلما ارتفع، حيث يقل عدد الذين يفهمون تفكيره أو يستطيعون مجاراة طموحه، مع ما يعنيه من قلق مستمر للمحافظة على مستواه والعمل على تجاوزه، وكأنه في سباق مع نسخته الناجحة القديمة، ليظهر له الوجه الأصعب في النسخة الجديدة، وهو النضج القاسي الذي يجبره على التضحية بأشياء كان يحبها أو وقت كان بين يديه، مقابل أن يحافظ على كيانه الجديد. إن هذه الوجوه التي لا يراها غير المبدعين، ليست هي كل ما يكتنف واقع الإبداع، فهناك تحديات تشكِّل صداعاً وأرقاً للناجحين تتمثل فيما يلي: فخ الغرور، وهو أخطر ما يواجهونه، لأنه يبدأ بثقة مستحقة وينتهي بانفصال عن الواقع، يجعلهم يظنون أن خلطة نجاحهم السابقة ستعمل للأبد؛ وهذا أول منزلقات السقوط لأنهم يتوقفون عن التعلم. حيرة القادم، فالتوقع الطبيعي هو أن يكون القادم أفضل نوعاً، لكنه حتماً سيكون أصعب إجراءً، فهو لن يكون كسابقه أبداً؛ لأنهم تغيروا، والمشهد تغير، ومعاييرهم ارتفعت، فإذا طمحوا للأقل، فهذا تراجع، وإذا تمنّوا المماثل، فهذا ركود؛ لذلك فهم مضطرون لمضاعفة الجهد كضريبة ثابتة في كل مرة يتقدمون فيها، وهذا يستنزف وقوداً أكثر "ذهنياً ونفسياً" من أجل تحريك ماكينة أكبر، فالجهد لا يقلّ، بل يتحول من مجهود عضلي تنفيذي إلى مجهود استراتيجي تحمُّلي. إن النجاح الحقيقي ليس جائزة يستلمها الناجح ويستريح، بل هو اختبار أهلية لمسؤولية أكبر، كونه في مرحلة الاحتراف التي ينبغي عليه فيها استيعاب أن نجاحه السابق كان مفتاحاً لباب جديد، وليس نهاية الطريق، واستمرار حماسه دليل على أنه يرى نفسه تلميذاً في مدرسة الطموح، محاولاً إثبات ذاته مرة بعد مرة، ومتخذاً من ذلك وقوداً يحميه من الصدأ، فالعظماء لا يتقاعدون ذهنياً؛ لأن كل مشروع جديد بالنسبة لهم هو توقيع جديد في عقد التميز، وكل جهد مضاعف هو استثمار وليس تكلفة، والتعب الذي يشعرون به هو عضلات ذهنية تُبنى لتتحمل أحمالاً ثقيلة لا يقواها إلا من شاكلهم. أخيراً.. إن النجاح الحقيقي هو أن يظل الناجح متواضعاً ليتعلم، ومكافحاً يبذل جهداً أكبر مما بذله في المرة الأولى، فالنجاح عملة لها وجوه كثيرة ليست كلها براقة، لكنها في مجملها هي مَن يصنع مِن الناجح شخصَه اليوم. وكما أن للنجاح وجه مُعلَن هو الإنجاز والتصفيق والنتيجة اللي يراها الجميع، فإن له خلف الكواليس وجوهاً أخرى لا يعرفها إلا من عاش التجربة.