يشكل التوطين إحدى أهم أولويات قيادتنا الرشيدة -أعزها الله- ويعد من الركائز الاستراتيجية لرؤية الوطن الواعدة، ليس باعتباره وسيلة لخفض البطالة فحسب، بل باعتباره مشروعا وطنيا لإعادة هندسة سوق العمل نحو نموذج إنتاجي تقوده الكفاءات الوطنية، ويبني مستقبل اقتصاد وطني مستقل ومستدام؛ غير أن الفجوة بين الطموح والتطبيق ما تزال قائمة، وتظهر بوضوح عند فحص توزيع الوظائف النوعية، حيث لا تزال بعض الجهات والشركات العامة تعتمد على غير السعوديين في مناصب أو تخصصات تتوافر لها كفاءات وطنية مؤهلة مقابلة؛ هذه المفارقة تضعف من مشروعية الخطاب التنظيمي الموجه للقطاع الخاص وتنال من قيمة الامتثال لسياساته، إذ يصعب فرض الامتثال خارجيا في ظل غياب نموذج داخلي متسق ما يطالب به؛ فالتوطين في جوهره يبدأ من القدوة المؤسسية التي تفرضها منظومة الأجهزة العامة على نفسها أولا، وليس من إلزام الآخرين بما لم يرسخ في داخلها. إذ تتخذ الفجوة في القطاع الخاص شكلا أكثر تعقيدا عبر ممارسات تحايلية تفرغ التوطين من مضمونه، وتفقد سياساته أثرها في تحقيق أهدافه؛ ومن أبرزها التوظيف الصوري المرتبط ببرامج دعم الأجور، حيث يعين المواطن شكليا لاستيفاء النسبة ثم يستغنى عنه بعد انتهاء فترة الدعم، أو يدفع به إلى وظائف هامشية بلا مسار مهني حقيقي؛ كما تلجأ بعض المنشآت إلى إعادة توصيف الوظائف، أو استحداث مسميات مضللة للالتفاف على قرارات قصر العمل في بعض المهن على المواطنين، كتصنيف وظيفة إدارية بحتة تحت مسمى فني أو تشغيلي لإبقائها ضمن نطاق العمالة الوافدة؛ وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين العمالة الأجنبية المتخصصة التي يفترض أن تكون أولوية للإحلال التدريجي، والعمالة الحرفية التي يتطلب توطينها استثمارا جادا في التدريب المهني قبل فرض نسب إلزامية عليها؛ لكن في كلا الحالتين يبقى جوهر الخلل هو غياب الرقابة على الواقع الفعلي لسوق العمل، حيث تتحول المؤشرات إلى أرقام امتثال ولا تعكس جودة التوظيف ولا استدامته. لذلك فإن معالجة هذه الإشكالات تتطلب نقلة حقيقية من "تنظيم" التوطين إلى "حوكمة" التوطين، عبر منظومة قانونية وتنفيذية تربط الحوافز بالنتائج الفعلية والمستدامة؛ ويشمل ذلك تفعيل رقابة ميدانية فعالة على طبيعة المهام لا مسمياتها، وربط قواعد البيانات بين الجهات ذات العلاقة لكشف الأنماط غير الطبيعية في زيادة وتيرة الاستقدام مقارنة بضعف التوظيف للمواطنين، وإلزام المنشآت المستفيدة من الدعم بالاحتفاظ بالموظف الوطني لمدة لا تقل عن ضعف فترة الدعم المقدم مع فرض جزاءات تصاعدية تتناسب مع حجم الاستفادة التي تحققت من الدعم المقدم؛ كما يصبح من الضروري نشر مؤشرات نوعية مثل معدل بقاء الموظف المواطن في الوظيفة ونسب تطوره الوظيفي، وعدم الاكتفاء بنسبة التوطين المجردة؛ فضلا عن ربط تأشيرات العمل بمدد زمنية محددة مقرونة بالتزامات نقل الخبرة إلى الكفاءات الوطنية تمهيدا للإحلال التدريجي، بما يحول الاستقدام من باب مفتوح إلى مسار منضبط ويخدم أهداف التوطين. وإلى جانب ذلك، يظل تكامل السياسات بين التعليم والتدريب وسوق العمل عنصرا حاسماً، إذ لا يمكن فرض التوطين الكامل في المهن النوعية التي لم تتوافر لها بعد المهارات الوظيفية الوطنية بالقدر المطلوب؛ والأصل في هذه الحالات هو التدرج في التوطين وفق نسب محددة، وربط ذلك بفترة زمنية واضحة لنقل الخبرة من المقيم تمهيدا لإحلال المواطن بشكل مدروس؛ ولا يكتمل هذا الإطار دون وضع معايير للأجور تضمن عدالة التنافس بين الكفاءة الوطنية والعمالة الوافدة، بحيث لا تتحول التسهيلات الممنوحة للمستثمر إلى أداة لإقصاء المواطن من سوق العمل أو تهميش قيمته المهنية؛ فالتوطين الذي لا يقترن بحماية حقيقية لمعايير الأجور فيه يظل ناقصا مهما بلغت نسب امتثاله؛ ولهذا نقول إن التوطين ليس مجرد التزام نظامي بل مشروع وطني يتطلب دقة في القياس، وصرامة في الرقابة، والصدق والحزم في التطبيق، وإلا تحول إلى عبء شكلي لا يحقق أثراً اقتصادياً يذكر ولا يضمن استقراراً وظيفياً مستداماً.