لم يكن السفر في الماضي جزءًا أصيلًا من حياة الناس كما هو اليوم، لم تكن الرحلات الخارجية هدفًا سنويًا، ومع ذلك كان الناس ببساطة لافتة أكثر رضا، وأقرب إلى السكينة، كانت السعادة تُصنع في تفاصيل صغيرة جلسة عائلية، استقرار يومي، وعلاقات إنسانية دافئة لا تحتاج إلى تذكرة سفر. اليوم تغيّر كل شيء، تحوّل السفر من تجربة استثنائية إلى نمط حياة، ومن خيار ترفيهي إلى ما يشبه الحاجة النفسية، تسوّق له المنصات والصور والقصص باعتباره الطريق الأقصر للسعادة، حتى أصبح البعض يقيس جودة حياته بعدد الرحلات التي خاضها، لا بعمق ما يعيشه، لكن هل أوفت هذه الثقافة بوعدها؟ الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن كثيرين يسافرون، دون أن يشعروا بالامتلاء، لحظات السفر جميلة، بلا شك مشاهد جديدة، أطعمة مختلفة، وانفصال مؤقت عن الضغوط، لكنها غالبًا ما تكون سعادة سريعة التبخر، تعود بعدها الحياة كما كانت، وربما بثقل أكبر، كأننا نؤجل مواجهة الفراغ بدلًا من معالجته. المفارقة أن الإنسان اليوم يملك خيارات أكثر من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه يشعر بارتباك أكبر في تعريف السعادة، في الماضي، كانت الحياة أبسط، وبالتالي كان الرضا أسهل، أما اليوم، فقد أصبحت السعادة مشروعًا معقدًا، نبحث عنه في الخارج بينما يتراجع حضورها في الداخل. ثقافة السفر، بهذا الشكل، لم تكن كاذبة تمامًا، لكنها ربما كانت ناقصة، قدّمت لنا السفر كحل، بينما هو في حقيقته مجرد أداة، من كان ممتلئًا من الداخل، زاده السفر غنى واتساعًا، ومن كان مثقلًا بالفراغ، حمله معه من مدينة إلى أخرى. السفر لا يصنع السعادة، بل يختبرها، يكشف ما بداخلنا أكثر مما يغيّره، لذلك لا غرابة أن يعود البعض من أجمل الرحلات بنفس الشعور الذي غادر به أو أشد. قد لا تكون المشكلة في السفر ذاته، بل في الفكرة التي بعنا أنفسنا إياها، أن السعادة وجهة يمكن الوصول إليها، بينما الحقيقة أبسط وأصعب في آن واحد السعادة أسلوب حياة، لا موقع على الخريطة.