لم يعد السؤال اليوم: هل نكتب؟ بل: كيف نكتب.. ولماذا؟ في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات، ويتحوّل فيه الانتشار إلى معيار نجاح، يجد الكاتب نفسه أمام إغراء صامت: أن يُعدّل صوته قليلًا.. ليُسمع أكثر، أو يغير أسلوبه ونمط كتاباته وفكره لينتشر ويشتهر. يبدأ الأمر بخطوة تبدو بريئة.. نصّ يُكتب بلغة أقرب للناس، فكرة تُصاغ بطريقة دارجة، موضوع يُختار لأنه "مطلوب". ثم ينجح النص، ينتشر، يُعاد تداوله.. فيُكافأ الكاتب على هذا الاختيار. هنا، لا يحدث التغيير دفعة واحدة، بل يتسلّل بهدوء. يتحوّل من تجربة عابرة، إلى أسلوب متكرّر، ثم إلى قناعة غير مُعلنة: "هذا ما يريده الجمهور". لكن ما لا يُقال غالبًا، إن هذا النوع من التكيّف لا يُعيد تشكيل النص فقط، بل يُعيد تشكيل الكاتب نفسه. حين يكتب الإنسان ما يُرضي الآخرين باستمرار، يتراجع صوته الداخلي تدريجيًا، هل سيُعجب هذا؟ هل سيُصفّقون له؟ مع الوقت، لا يعود يرفض فكرة لأنها "لا تناسب الذائقة"، ولا يتمسّك برأيه لأنه قابل للتسويق". وهنا، لا نخسر أسلوبًا فقط.! بل نخسر موقفًا. هذا لا يعني أن كل كتابةٍ تراعي الجمهور هي تنازل، ولا أن السعي للانتشار خطأ. فالكاتب ليس معزولًا ولا يكتب في فراغ. لكن الفارق الحقيقي يكمن في البوصلة: هل تقودك قناعتك نحو الناس، أم يقودك الناس بعيدًا عن قناعتك؟ الكاتب الذي يتطوّر ليصل، يضيف إلى نفسه دون أن يفقدها. أما الذي يتكيّف ليُرضي، فقد يصل.. لكنه يصل بنسخةٍ مخفّفة منه. الانتشار قد يمنحك جمهورًا، لكنه لا يضمن لك أثرًا. والتصفيق قد يعلو، لكنه لا يعني بالضرورة أنك قلت ما يستحق أن يُقال. في النهاية ليست القضية أن تكتب للناس، بل أن لا تكتب على حساب نفسك، فبعض المكاسب تبدو نجاحًا لكنها -في العمق- خسارة مؤجّلة لصوتك الحقيقي.