بعض الألفاظ؛ تولد في حيّزٍ لغوي، ثم تمضي لتستقرّ في وعيٍ عام، حتى تُشكِّل عنوانًا لمرحلة. في ظل الأحداث الراهنة يتناهى إلى أسماعنا لفظ التصدي، فنسمع كلمة تصدت قوات الأمن لعددٍ من الصواريخ أو من المسيرات، فماذا يحمل هذا الفعل في بنيته اللغوية؟ وما جذره ودلالاته؟ يعود الفعل تصدّى إلى الجذر الثلاثي (ص د د)، وهو جذر يدور في مجمله حول الدفع والمنع والردّ. يُقال: صَدَّه عن الشيء إذا منعه، والصَّدّ هو الحاجز الذي يحول دون الوصول. وهذه البنية الأولى تمنح الكلمة صلابةً دلالية؛ إذ تعبّر عن قوّةٍ تقف في وجه قوّة. ومجيء الفعل على وزن تفعّل يفيد القصد والتوجّه؛ أي إن الفعل لا يقع عرضًا، بل يصدر عن إرادةٍ واعية. ومن ثمّ، فالتصدّي تقدّمٌ نحو الهجمات المعادية، واستعدادٌ لها، واتخاذُ موقعٍ في مسارها وليس مجرّد ردّ فعل، وهنا يتّسع المعنى ليشمل أبعادًا نفسية لا تقلّ عن دلالته الحسية. تتجاور في الكلمة مادة الصدر بما تحمله من إيحاءٍ جسديّ مباشر؛ فالعربي حين يقول: تصدّى له، فكأنما يصوّر إنسانًا: يستقبل الخطر بصدره، لا ينحرف عنه، ولا يترك له فراغًا يمرّ منه. وهذه الصورة تُكسب اللفظ بُعدًا رمزيًا يتجاوز الفعل المادي إلى قيمة الثبات والشجاعة. إذاً التصدّي يجمع في داخله حركتين متلازمتين: الدفع: منع الشيء وردّه، المواجهة: التقدّم نحوه لا الابتعاد عنه. وهذا الازدواج الدلالي يمنح الكلمة تميّزها؛ حيث تدفع الخطر، بتوجّهها إليه. فهو فعلٌ يقوم على الاقتراب الواعي، ويتجنب الانسحاب أو الخذلان. حين نقول اليوم: تصدّت القوات للصواريخ، فنحن لا نصف عملية عسكرية فحسب، إنما نُحمّل الكلمة طبقاتٍ من المعاني: الاستباق: فالتصدّي يتضمّن يقظةً قبل وقوع الخطر. الحماية: إذ هو فعل دفاعيّ يهدف إلى المنع. الثبات: ففيه معنى الوقوف وعدم التراجع. الكرامة: لأن المواجهة بالصدر لا التولي والإدبار، شيمة الأقوياء. وهكذا تتحوّل الكلمة من فعلٍ لغوي إلى قيمةٍ رمزية، تختصر موقفًا حضاريًا كاملًا. تجسده لغة قوية في بنيتها عميقة في دلالاتها. وفي هذا المقام، يُستحضر التقدير لما تبذله حكومة المملكة من جهودٍ في حماية الوطن؛ وتصدٍّ حازم يذود عنه بالقوة، وتصدٍّ حكيم يترفع عن مجاراة الجاهلين. وبهذا التوازن تتجلّى المقاصد كما تتجلّى المعاني في استقامة الأوطان. د. نجوى الكحلوت