لا شك أن الطب والقانون من أنبل المهن التي عرفها الإنسان، فهما يقومان على حماية الإنسان سواء من ناحية جسده أم حقوقه. فالطبيب، ومنذ قسم أبقراط (Hippocratic Oath)، يتعهد، بجعل صحة المريض فوق كل اعتبار، وأن يتعامل مع الألم الإنساني بوصفه أمانة أخلاقية قبل أن يكون حالة مرضية. وكذلك المحامي، وبوصفه ممثلاً للعدالة نجده يقف، أو من المفترض أن يقف، إلى جانب المظلوم، ويدافع عن الحقوق، ويُسهم في تحقيق العدالة داخل المجتمع. فكلا المجالين، في أصلهما، يتجاوزان حدود "المهنة" إلى ما يمكن تسميته "الرسالة الإنسانية". غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، انعكست على هذه المهن النبيلة، وأعادت تشكيل ممارساتها اليومية حتى سلخت منها بعض إنسانيتها. ففي بعض الحالات، لم يعد ينظر إلى المريض بوصفه "إنساناً بحاجة إلى رعاية"، بل بوصفه "حالة" تُقاس بزمن محدد وتُسعَّر بدقة وفقاً لهذا الزمن. وبالمقابل لم يعد أحياناً طالب الاستشارة القانونية "رجلا صاحب قضية"، بل "ملفاً" يُفتح مقابل رسوم، ويُغلق بانتهاء الوقت المدفوع. يخبرني أحد أولياء الأمور أنه اصطحب ابنته من جنوب المملكة إلى طبيب نفسي معروف في الرياض، أملاً في أن تجد من يصغي إليها ويفهم ما تمر به. فقرر لها الطبيب جلسات علاج سلوكية، لكن الجلسة لم تتجاوز خمس عشرة دقيقة، رغم أن الفتاة كانت في حاجة ماسة إلى وقت أطول للتعبير عما بداخلها.. وما إن انتهى الوقت المحدد، حتى توقف الطبيب عن الحوار، مقترحاً تجديد الجلسة بمقابل مالي إضافي أو انتهاء اللقاء.. وهنا تكمن المشكلة في تحوّل الزمن العلاجي إلى "وحدة تجارية" جامدة، انسلخت من معطف الطب الإنساني، بل والديني الذي يحث على الرأفة والرحمة ومراعاة ظروف الناس. وفي سياق مشابه، يروي أحدهم أنه تواصل مع مكتب محاماة لطلب استشارة في قضية لديه، فقيل له إن الحضور الشخصي ومقابلة المحامي لمدة نصف ساعة يكلف 1500 ريال، والبديل مكالمة هاتفية لمدة ربع ساعة بألف ريال. وهذه الأرقام الفلكية قد لا يستطيعها الكثير من أصحاب القضايا. وهي بذلك تطرح سؤالاً أخلاقياً: هل أصبح الوصول إلى العدالة أو الرعاية النفسية امتيازاً لمن يملك القدرة المالية فقط؟ إن الإشكالية هنا لا تتعلق بكون الطبيب أو المحامي يتقاضى أجراً -فهذا حق مشروع- بل في غياب التوازن بين البعد الإنساني والبعد التجاري. حين يطغى المنطق الربحي على جوهر المهنة، تفقد هذه الممارسات جزءاً من مشروعيتها الأخلاقية، ويتحول الألم الإنساني إلى "فرصة استثمار"، وهي وبلا شك "أقذر" الفرص الاستثمارية على الإطلاق. فماذا لو كان لدينا طبيب يقدم بعض كشوفاته مجاناً كظاهرة "طبيب الغلابة" في مصر؟ وماذا لو كان لدينا بعض المحامين الذي يستشعرون البعد الإنساني والديني والوطني للمهنة ليقدموا بعض خدماتهم لوجه الله. لا سيما أن دولتنا -حفظها الله- تقدم العلاج المجاني، والمحامي على نفقتها لم يحتاجهما. ولعل من المهم التفكير في بعض الحلول التي قد تعيد ضبط هذا التوازن بين الإنساني والتجاري. ومن بين هذه الحلول: وضع تسعيرات استرشادية واضحة لبعض الخدمات القانونية، خصوصاً في القضايا الجنائية غير القائمة على النسبة، بما يضمن عدم المبالغة في التكاليف، لا سيما أن مثل هذه التسعيرات غير موجودة اليوم على الرغم من جهود وزارة العدل الكبيرة في ضبط الوسط القانوني والقضائي. كما يمكن للجهات الصحية التنظيمية أن تضع معايير زمنية مرنة تراعي طبيعة الحالات، خاصة في الطب النفسي، حيث لا يمكن اختزال المعاناة في دقائق معدودة تحسب فيها كل دقيقة بسعر معين.. إضافة إلى ذلك، يمكن تشجيع المبادرات المجتمعية، مثل الخدمات القانونية المجانية أو الجلسات النفسية المدعومة، لضمان وصول هذه الخدمات إلى شرائح أوسع من المجتمع. إن الخطر لا يكمن في الحصول على مقابل معقول، بل في فقدان الحس الإنساني الذي يمنح هذه المهن معناها الحقيقي.. فالطبيب الذي لا يرى في مريضه إلا ساعة مدفوعة، والمحامي الذي لا ينظر إلى موكله إلا كفاتورة، كلاهما يبتعد -ولو تدريجياً- عن جوهر رسالته. وإذا استمر هذا المسار، فإننا لا نخسر فقط قيمة أخلاقية، بل نخسر ثقة المجتمع في أهم مؤسساته الإنسانية. وبالتالي فإن إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في الطب والقانون ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية واجتماعية، تضمن بقاء هذه المهن في مكانها الذي تستحقه: في خدمة الإنسان، لا على حسابه.