في كل صناعةٍ إبداعية، ثمّة أسماء لا تُقاس بمنجزٍ واحد، ولا تُختصر في عملٍ بعينه، ولكنها تُقرأ بوصفها مسارًا كاملًا مهّد الطريق، وفتح الأفق، ورسّخ البدايات. في السينما السعودية، يقف اسم المخرج الرائد عبدالله المحيسن بوصفه أحد هؤلاء الذين لا يمكن الحديث عن الحاضر دون استحضار أثرهم العميق في التأسيس. إن تكريم المحيسن في مهرجان مالمو للسينما العربية لا يقتصر على مسيرته الشخصية، بل هو تكريم لمرحلةٍ كاملة من الشغف والإصرار، ولرؤيةٍ سبقت زمنها، آمنت بأن للسينما السعودية صوتًا يستحق أن يُسمع، وقصةً تستحق أن تُروى. لقد كان من أوائل الذين حملوا الكاميرا في ظروفٍ لم تكن فيها صناعة السينما قائمة، ولا بنيتها التحتية متاحة، ومع ذلك اختار أن يبدأ، وأن يكتب أولى السطور في حكايةٍ ما زالت تُكتب حتى اليوم. حين ننظر إلى ما وصلت إليه السينما السعودية اليوم من حضورٍ في المهرجانات الدولية، وتنامٍ في منظومة الإنتاج، وتوسّعٍ في البنية التحتية، وثقةٍ متزايدة من الجمهور، فإننا نلمس امتدادًا لتلك البدايات الأولى التي صنعها الرواد. لقد أسهمت تجاربهم في تشكيل الوعي السينمائي، وفي ترسيخ فكرة أن السينما ليست ترفًا، بل وسيلة تعبير، وأداة تأثير، وجسرًا ثقافيًا يصلنا بالعالم. إن ما نشهده اليوم من حراكٍ متسارع في القطاع بدعمٍ غير مسبوق، واستثمارات نوعية، وتمكينٍ للمواهب لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكمٍ طويل، كانت فيه جهود الرواد حجر الأساس. ومن هنا، فإن تكريم المحيسن يحمل دلالة أعمق؛ فهو يربط بين جيل التأسيس وجيل التمكين، ويؤكد أن ما نحققه اليوم يقف على أكتاف من آمنوا بالفكرة في وقتٍ كانت فيه مجرد حلم. لقد قدّم المحيسن، من خلال أعماله، نموذجًا لصانع الفيلم الذي ينطلق من هويته، ويخاطب العالم بلغته الخاصة. وهذا ما نحرص اليوم على ترسيخه في كل ما نقوم به في هيئة الأفلام: دعم محتوى أصيل، وتمكين صناع الأفلام من التعبير عن قصصهم، وتوفير بيئةٍ تحتضن الإبداع وتدفع به نحو آفاقٍ أوسع. وفي هذه اللحظة التي نحتفي فيها بتكريمه، فإننا لا نستحضر الماضي بوصفه حنينًا، بل بوصفه أساسًا نبني عليه المستقبل. فالصناعة التي تعرف جذورها جيدًا، هي الأقدر على أن تنمو بثبات، وأن تتطور بثقة، وأن تترك أثرًا مستدامًا. تحية تقدير واعتزاز للمخرج عبد الله المحيسن، ولكل الرواد الذين آمنوا بالسينما السعودية قبل أن تصبح صناعة. وما هذا التكريم إلا تأكيدٌ أن البدايات الصادقة لا تضيع، وأن الأثر الحقيقي يبقى، ويتجدد، ليُلهم الأجيال القادمة. *الرئيس التنفيذي لهيئة الأفلام السعودية