افتُتحت فعاليات مهرجان مالمو للسينما العربية في دورته الجديدة بالسويد، وسط حضور سينمائي عربي ودولي، يعكس المكانة التي وصل إليها المهرجان كمنصة أوروبية تقدم السينما العربية بوصفها قراءة للمنطقة، لا مجرد عرضٍ لأفلامها. والمهرجان، الذي يُعد من أبرز الفعاليات السينمائية العربية في أوروبا، نجح خلال سنواته الماضية في ترسيخ حضوره كجسر ثقافي بين صناع الأفلام العرب والجمهور الأوروبي، من خلال استضافة عشرات الأعمال سنويًا، وتنظيم منصات للتمويل والتوزيع، إلى جانب برامجه التي تعزز الحوار حول صورة المنطقة في السينما العالمية. وفي حفل الافتتاح، كُرّم المخرج عبدالله المحيسن كأول اسم سعودي يحظى بهذا التقدير، عن مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، قدّم خلالها أعمالًا لم تكن توثّق الواقع فقط، بل تحاول فهمه قبل اكتماله، تكريم لا يمكن قراءته كخبر ثقافي عابر، بل كمؤشر على إعادة تقديم التجربة السعودية في السينما بوصفها جزءًا من ذاكرة أوسع. وخلال التكريم، ارتجل المحيسن كلمة بدت أقرب إلى قراءة فكرية منها إلى خطاب احتفالي، أشار فيها إلى أن السينما بالنسبة له لم تكن حكاية تُروى، بل محاولة لفهم المسار السياسي للمنطقة واستشراف ما يمكن أن تصل إليه، واستشهد بما تشهده المنطقة من تصعيد إقليمي، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ومحاولات جرّها إلى صراعات ممتدة، مؤكدًا أن هذه الملامح سبق أن تناولها في عدد من أفلامه.!!. هذا الطرح يعيد تعريف المحيسن، ليس كمخرج سينمائي فقط، بل كمفكر سياسي استخدم الصورة كأداة تحليل، ففلسفته لم تكن قائمة على تقديم إجابات جاهزة، بل على تفكيك المشهد، وطرح الأسئلة، وقراءة التحولات قبل اكتمالها. وهذا ما يفسر لماذا تبدو أعماله وكأنها تُقرأ من جديد، لا تُشاهد فقط. وضمن برنامج المهرجان، لم يكن عرض فيلم "اغتيال مدينة" المحُتفى به المخرج العالمي عبدالله المحيسن، مجرد استعادة عمل قديم، بل قراءة جديدة له في توقيت مختلف، الفيلم، الذي وثّق الحرب الأهلية في لبنان، قدّم بيروت كمدينة تُغتال تدريجيًا، لا بفعل حدث واحد، بل نتيجة تراكم الصراعات وتداخل الأجندات. وتناسب ذلك كاعادة للمشهد التاريخيّ الذي كان منذ زمن بعيد لما تتعرض له بيروت حالياً من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، واستهدافات طالت قلب العاصمة ومحيطها، تبدو الصورة وكأنها تعيد إنتاج نفسها..!!المدينة ذاتها، والمشهد ذاته، والصراع الذي يعيد تشكيله في كل مرحلة، وهنا يعود الفيلم ليُشاهد بشكل مختلف، لا كأرشيف بصري، بل كوثيقة تشرح كيف تتحول المدن إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، وكيف تستمر الأزمات حين لا تُحل جذورها. تكمن أهمية مهرجان مالمو للسينما العربية في أنه لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يعيد تقديمها ضمن إطار دولي يربط بين الماضي والحاضر، ويمنحها مساحة للحوار مع جمهور مختلف، لذلك، فإن تكريم اسم بحجم المحيسن داخل هذه المنصة، يعكس تقديرًا لتجربة تحمل بعدًا فكريًا، لا مجرد حضور فني. ومع ما تشهده السينما السعودية من تطور واضح، يبدو هذا التكريم وكأنه يعيد ربط البدايات بالحاضر، لأن ما نراه لم يبدأ من فراغ، بل بُني على تجارب مبكرة، بعضها لم يحظَ بالاهتمام الكافي في وقته. وفي كتاباتي المتعددة عن تجربة المحيسن، كنت أرى أنه لا يمكن اختصاره ضمن مرحلة زمنية، لأنه ببساطة كان يسبقها، لم يكن يوثّق الحدث بعد وقوعه، بل يحاول فهمه قبل اكتماله. تكريمه في (مالمو)، ليس مجرد احتفاء باسم، بل إعادة قراءة تجربة... استخدمت السينما لفهم السياسة، وقدّمت الصورة كأداة استشراف، لا مجرد توثيق، فهنيئاً لنا جميعاً هذه الاحتفالية التي يستحقها المحيسن وفي الوقت نفسه تعكس الواقع والمكانة الفنية التي تعيشها السعودية الجديدة في وقتنا الحاضر.