في زمن تتصدر فيه شاشات الهواتف المشهد، ويتسارع فيه إيقاع الإعلام الجديد، تتجدد الأسئلة حول موقع الإذاعة في خارطة الإعلام المعاصر، وقدرتها على الحفاظ على جمهورها وسط زخم المنصات الرقمية. ومن داخل مبنى مجمع إذاعات جدة، ذلك الصرح الإذاعي العريق الذي ما زال يحتفظ بذاكرته المهنية وتاريخه الطويل، التقت «الرياض» مدير المجمع علي بن أحمد القاسم، للحديث عن تحولات العمل الإذاعي، وجمهور اليوم، ومستقبل المحتوى الصوتي في السعودية، فإلى الحوار: * ما الذي يشغلكم هذه الأيام في إذاعة جدة؟ * نعمل حاليًا على وضع اللمسات الأخيرة لبرامج موسم حج 2026، بروح تعكس هوية إذاعة جدة الشبابية. وتهدف الدورة البرامجية الجديدة إلى تقديم محتوى يجمع بين القيم الدينية والسرد التاريخي والأسلوب التفاعلي السريع، بما يواكب اهتمامات جيل الشباب. كما نسخر جميع إمكاناتنا لخدمة ضيوف الرحمن ونقل الصورة المشرقة لجهود المملكة خلال الموسم. * ما الجديد في العمل الإذاعي؟ ومن جمهور اليوم؟ * أبرز ما يشهده العمل الإذاعي اليوم هو التحول من البث التقليدي إلى صناعة محتوى رقمي عابر للمنصات. أما الجمهور الحالي فهو جمهور ذكي ومتفاعل ولا يحب الانتظار، لذلك نحرص على الوصول إليه عبر المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، مثل منصة «الأولى» وتطبيق «الإذاعات السعودية»، إلى جانب حسابات إذاعة جدة على منصة «إكس» و»يوتيوب». * أين تقع الإذاعة اليوم في منظومة الإعلام السعودي؟ * الإذاعة ستظل وسيلة إعلامية تمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور في مختلف الظروف، وهي ما تزال ركيزة مهمة في السرعة والمصداقية، خاصة في ظل ما يحظى به القطاع الإعلامي من دعم لمواكبة مستهدفات رؤية السعودية 2030. ويمكن النظر إلى موقع الإذاعة في منظومة الإعلام السعودي من زاويتين؛ الأولى تتعلق بالإذاعة كمفهوم عام، وهنا يمكن القول إنها ما تزال تعزز حضورها، وهو ما يظهر في توسع المشهد الإذاعي بانضمام إذاعات جديدة مثل «الإخبارية» و»خزامى»، إلى جانب نمو عدد الإذاعات الخاصة، وما رافق ذلك من منافسة مهنية دفعت باتجاه تطوير المحتوى والأداء. أما الزاوية الثانية فتتعلق بإذاعة جدة على وجه الخصوص، إذ عززت حضورها من خلال الانتشار الرقمي. ويكفي أن نشير إلى أن تقرير شهر مارس لحسابات الإذاعة على منصات التواصل، خصوصًا «إكس» و»يوتيوب»، أظهر أن عدد مرات الظهور والوصول بلغ نحو خمسة ملايين، وهو ما يعكس حضورًا واضحًا لاسم الإذاعة في الوعي الرقمي. * كيف ترد على مقولة إن الإذاعة خارج اهتمام جيل اليوم؟ * قد تبدو هذه المقولة صحيحة جزئيًا إذا نظرنا إلى تراجع بعض قوالب الإعلام التقليدي، لكن الحقيقة أن الإذاعة لم تفقد بريقها، بل أعادت تقديم نفسها بشكل مختلف. فالجيل الحالي يستهلك المحتوى الصوتي بكثافة عبر المنصات الرقمية، والتحدي الحقيقي ليس في وجود الجمهور، بل في كيفية الوصول إليه باللغة والأسلوب المناسبين. في إذاعة جدة لا يقتصر التواصل مع الجيل الجديد على الحضور الرقمي فحسب، بل يمتد إلى مبادرات ميدانية مباشرة، من بينها استقبال زيارات طلاب المدارس بمختلف مراحلهم، وإشراكهم في المناسبات الوطنية، إضافة إلى حضورهم في اليوم المفتوح الخاص باليوم العالمي للإذاعة. كما أن اهتمامنا بهذه الفئة نابع من هوية إذاعة جدة نفسها، باعتبارها إذاعة شبابية تقدم نموذجًا يقوم على التوعية والتثقيف بأسلوب ترفيهي. * ما أبرز التحديات التي تواجه الإذاعة في ظل تسارع الإعلام الرقمي؟ * أبرز التحديات يتمثل في بطء الاستجابة لإيقاع هذا التحول السريع، أو تجاهله بحجة ترتيب الأولويات أو بطء اتخاذ القرار. في عالم الإعلام اليوم، السرعة في التكيّف لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة. * ما أبرز المبادرات التي تعزز التفاعل المباشر مع الجمهور؟ * نعتمد على أكثر من مسار لتعزيز هذا التفاعل. هناك المسار التقني، مثل البث المباشر عبر منصة «إكس»، الذي يتيح للجمهور التعليق على البرامج والمشاركة في الاستطلاعات المصاحبة لبرامج مثل «في الزحمة» و»تكي تاكا» و»بانوراما». كما نستفيد من تطبيقات الهواتف الذكية مثل «واتساب» وتطبيق «الإذاعات السعودية»، الذي يوفر جودة استماع عالية، ويتيح الوصول إلى البرامج في أي وقت، كما يساعدنا على قياس نسب الاستماع بدقة. * ماذا عن جهود إذاعة جدة في اكتشاف وتدريب المواهب الشابة؟ * نولي هذا الجانب اهتمامًا كبيرًا، إذ نستقبل سنويًا عشرات الطلاب والطالبات من كليات الإعلام، خصوصًا في تخصصات الإعلام المرئي والمسموع والإعلام الرقمي، ونوفر لهم فرص التدريب العملي داخل الإذاعة. وإذاعة جدة أدت تاريخيًا دورًا مهمًا في اكتشاف المواهب وتقديمها إلى سوق العمل، وما زلنا نواصل هذا الدور باعتباره جزءًا من رسالتنا. * من خلال تجربتك، كيف يمكن للإذاعة المحافظة على حضورها وتأثيرها؟ * القاعدة الأساسية هي أن تبقى الإذاعة قريبة من المجتمع، مهتمة بقضاياه، ومواكبة للتطور التقني. وهذا في الحقيقة ليس مبدأ يخص الإذاعة وحدها، بل ينطبق على كل وسيلة إعلامية تريد أن تحافظ على حضورها وتأثيرها. أحمد القاسم متحدثاً للزميل اللحياني