الأنثروبولوجيا (Anthropology) هي (علم الإنسان)، أو (علم الإناسة)، أو (علم البشريات)، أو (علم طبائع الإنسان)، وهي في أكثر اصطلاحاتها تشير إلى تلك الدراسات المتعلقة بالإنسان، والمحيطة بأصله، ونشأته، وأطواره، وأحواله، وكل ما يتعلق بنظامه (البيولوجي)، ونمط عيشه الاجتماعي والبيئي، ويشمل ذلك التعرف على تاريخه، وثقافته، وشخصيته، وما يتصل بسلوكه، وعاداته، ولعل من أهم ما يتغيّاه هذا العلم من أهداف أنه يتطلع إلى فهم التنوعات البشرية، والمجتمعات الإنسانية، سواء أكانت قديمة أم حديثة؛ ولهذا تفرّع هذا العلم إلى فروع كثيرة، كالأنثروبولوجيا اللغوية، والأنثربولوجيا الثقافية، والأنثربولوجيا الاجتماعية، والأنثربولوجيا الطبيعية، والأنثربولوجيا الأثرية، وغيرها. وتعد الأنثربولوجيا الأدبية، أو أنثربولوجيا الأدب، فرعاً مهماً من تلك الفروع، وإن كانت أقرب إلى فرع الأنثربولوجيا الثقافية، وغالباً ما تُدرس ضمن علم الاجتماع الأدبي، أو علم اجتماع الأدب، وقد طرح الأنثروبولوجي الأميركي (بول ستولر) سؤالاً مهماً فتح فيه نافذة على هذا الفرع من فروع العلم، وهو: «ما الأنثروبولوجيا الأدبية؟» وقد أجاب عن ذلك بأنه: العلم الذي يدرس العلاقة بين الأدب والثقافة، والعلم الذي يدرس الهوية، والخيال، والمادة (الإثنوجرافية)، التي هي النصوص، والمدونات، والسرديات الأدبية والثقافية في مختلف أنواعها. ويمكن أن يُدرج الأدب ضمن الأنشطة الثقافية، واللغوية، والفنية، والرمزية، للثقافات والشعوب، ولا سيما أن الأدب منفتح على كثير من العلوم والمعارف، وقد لمحنا في العصر الحديث شيئاً من إرهاصات (الأنثروبولوجيا الأدبية)، وذلك في أعمال بعض المشتغلين في هذا الفن، ولعل من بينهم: (فرانز بواس)، في كتابه (الفن البدائي)، و(كلود ليفي ستروس) في مؤلفه (مداريات حزينة)، وكذلك (بيير بورديو) في كتابه (قواعد الفن)، و(بول ستولر)، صاحب السؤال الذي ورد آنفًا، وغيرهم. إن الذي يتأمل في الأدب العربي - قديمه وحديثه - سيجد فيه مجالاتٍ خصبة لتطبيق المقاربة (الأنثروبولوجية)، وبخاصة في البحث عن علاقة الإبداع الأدبي بثقافة المجتمع، ويمكن أن نلمس تلك العلاقة في شعر المعلقات، وفي خطب العرب، وفي الرسائل، والمقامات، وغيرها، إذ يمكن تطبيق تلك المقاربة على أهداف الإنسان ومقاصده من خلال أدبه، سواء أكان شعراً أم نثراً، وربط ذلك الإبداع بأصل الإنسان، ونمط عيشه، وعلاقته بمجتمعه، وتأثيره فيه، ودراسة أطواره، ومراحل نشأته، وعناصر تقدمه، وطرائق عيشه، ودرجات وعيه الإنساني بالإبداع الأدبي. وبما أن المنهج الاجتماعي هو أحد مناهج النقد الأدبي؛ فإننا يمكن أيضاً أن نتعامل مع (الأنثروبولوجيا) بوصفها منهجًا نقديًّا يدرس الأدب بإنتاجه الثقافي والاجتماعي، وبسياقاته الإنسانية المتعددة، من قبيل: العادات، والتقاليد، والطبائع، والسلوك، وغيرها من السياقات ذات الطابع الأنثروبولوجي، كالملاحم، والأساطير، وما شابهها، ومن هنا يوائم هذا المنهج بين تفاعل علوم الإنسان مع النقد؛ بغية فهم أعمق لمقاصد الإبداع الأدبي وتفسير ظواهره الإنسانية التي ترتكز على فهم المجتمع من خلال الأدب، وتفسير الأدب من خلال الإنسان ومجتمعه. ويصح أن ندخل الأنثربولوجيا الأدبية، واللغوية، ضمن فرع الأنثربولوجيا الثقافية؛ ذلك أنهما (أي اللغة والأدب) استكشافٌ للعلاقة بين البيولوجيا البشرية، والثقافة، ومن خلالهما يكون التركيز على النص وسياقه، فالأدب لا يعيش وحيداً، بل لا بد أن يتفاعل مع الحياة، والعصر، كما أن دراسة النصوص المكتوبة، والشفاهية، والهامشية، كل أولئك قد يندرج ضمن مقاربات الأنثربولوجيا اللغوية والأدبية، والثقافية. إن دراسة النص الأدبي من زواياه الاجتماعية، واللغوية، واستنطاق دلالاته الثقافية، وأبعاده الإنسانية قد تحيلنا على منهج نقدي (أنثروبولوجي) يسهم في منح النص الأدبي طاقته وحيويته، ومن ثم يتحرر النص من قيوده الخاصة، ليصبح قيمة معرفية.