الإنسان! هو من يحرّك التاريخ ويتحرّك به، ويولّد الأفكار ويتفاعل معها، فهو الذي قدّر الله له أن يكون راسماً لمعالم الوجود البشري بكافة أشكاله. ودون معرفة الإنسان، وأولوية سؤال «من هو الإنسان؟»، وأهمية معرفة الذات؛ قد تطغى مناهج الوصف، أو الأخبار، أو أي منهج يتعامل مع الخارج والأثر ويتعامى عن الداخل والمؤثر؛ فتُنسى الانبعاثات النفسيّة الفردية أو الاجتماعيّة؛ رغم أنّها الشعلة الداخلية العظمى المحرّكة للإنسانيّة! من ضمن من قدّم طريقة جديدة في عصره لدراسة «الفِكر» من طريق نفسي اجتماعيّ، يبحث عن الإنسان في أفراحه وأتراحه، آلامه وأماله، مفاخره ومعايبه... هو المفكّر والفيلسوف «إزايا برلين» (إشعيا برلين)، الذي اشتهر بفكرته عن الحريّة وفق الفلسفة السياسية بين إيجابيّة وسلبيّة. قدّم «برلين» تاريخ الأفكار تأثراً وتأثيراً، لا من حيث تسلسل الأفكار، ولا علاقات المفكرين بأفكار بعضهم، وإنما من حيث أصولها النفسيّة في سياق نفسي اجتماعيّ، وعدّ هذا الفرع (تاريخ الأفكار) أحد فروع الفلسفة المهمّة. من الأمثلة الفريدة التي ذكرها: «اليهود» في التشكيل الغربي الحضاريّ و»إشكاليّة الهويّة»، وحالتهم الصارخة لدراسة تحولات الفئات المنبوذة في المجتمعات الغربيّة، وأثر تاريخ اضطهادها الطويل، ثم خروجها من العزلة إلى وسط اجتماعيّ حديث، تقوم به الدولة الحديثة؛ التي لا تستطيع نفي الأشكال الوجدانية الاجتماعيّة، والذاكرة بين الشعوب التي تصهرها، فبقيت لليهود أزمة الهوية المنبوذة وجروح الاضطهاد والصور النمطيّة. ولأنهم وجدوا فرصة للانفتاح والخروج من «الغيتو» (أو الأحياء اليهودية التي يُعزل فيها ويُبعد إليها اليهود) وفق عقود اجتماعيّة تنظيمية، فقد نظروا للعالم الجديد نظراتٍ عدّة، بين تطلع ورومانسية مثاليّة، ونقمة وزيادة انزواء، وبينهما فئات وفئات. ولأنّ «فهم الذات أعلى متطلبات الإنسان» -كما يقول برلين- فقد سعى لتوضيح صورة «اليهودي» الخارج من الغيتو، وكيف أن خروجه الحسيّ لا يعني خروجه من أثر «الغيتو» النفسي عليه. وقد ضرب مثالين صارخين على ذلك، وهما «بنجامين دزرائيلي» (سياسي بريطاني، شغل منصب رئيس الوزراء مرتين، في القرن التاسع عشر، من أهم قادة حزب المحافظين) و»كارل ماركس» (الشخصية المعروفة والثائر والمغيّر لكثير من التاريخ)، كلاهما من عائلة يهودية، وماركس تحديداً من سلالة حاخامات، وكلاهما تخلّى والداهما عن يهوديته، وكلاهما ينسلخ من أصوله، إن بالتغطية عليها وانتخاب ما يناسبها لمصلحته (دزرائيلي)، أو ببغضها ومعاداتها (ماركس)، وكلاهما خرج مثقلاً بحاجة «الانتماء» إلى مجموعة ما، والحاجة ل «الاعتراف»، الذي لن يأتيهم بالهبة بل بالكسب، لغرابة أصولهما عن هذه المجتمعات التي يريدون الانخراط فيها. فهم لاجئون إلى انتماءات بديلة، مهاجرون من سياقات هويّات شكّلتهم نفسياً واجتماعياً، إلى سياقات أخر. لقد خرج كلاهما من هويّة صنعت بإطار «مجتمع ما»، ولم يتمكّنا من التحرر من تقاليد نسج الهوية بحسب الأطر ورؤية العالم، كما ورثوها من «الغيتو» (بنية هوية الغيتو بقيت)، وهذا الفقد للهوية المشكّلة تحت عين الانتماء جعلهما ينزعان لأطر هويّة عوض التحرك الفردي الشخصي لهوية ذاتية، لا تشترط النظر عند بنائها وفق الفعالية الاجتماعيّة، وحضن الانتماء. لقد نبتا في زمن طبقيّ فانتحيا نحو «طبقة»، ونظر كلاهما نظرة مادية في عصر تتصاعد فيه الرأسمالية... ف «دزرائيلي» رأى في «طبقة الأرستقراطيين» ملاذه وحضنه، وسعى للانخراط فيها، بل وتمثيلها، وإظهار نفسه أحد المستحقين للولوج فيها، وذكر من يهوديته ما يعزز نسبه وسلالته التي تستحق الانخراط في هذه الطبقة (وإن كانت أكاذيب)، وأخفى جروحه العميقة من هويّته اليهودية في مجتمع غربي مسيحي يزدريها لقرون، فصنع له أوهاماً تربطه بالانتماء الجديد، حتى وصل لمبتغاه. ومع ذلك، فقد انخرط مع فكرة الطبقة لا الطبقة، وهذا شاهد غلبة باعثه الأصلي على الانفعال الخارجيّ، لصناعة هوية بديلة. كذا بالنسبة ل «كارل ماركس» فقد لجأ إلى «طبقة البروليتاريا»، فصنعها، رغم ضعف احتكاكه بالعمّال حقاً، ودخوله في عالمهم، فأعاد تشكيلها، وناضل من أجلها، وسخط سخطاً عارماً على السُلط المحيطة بها، ووسمها بوراثة المجتمع الإنساني كله، ورسم التاريخ كما يريد بهذا النموذج الطبقيّ المثالي. لقد استعمل آلامه ودمجها مع أقرب وحدة اجتماعيّة يمكن أن يغضب فيها من أجل جروحه العميقة، وتحويل شعوره تجاهها، محولاً انزعاجه من الجذور والانتماء إلى انزعاج من أجل الطبقة، واستعمالاً للنضال والعدالة الاجتماعيّة لتصفية باله. كلاهما استصحب بنية الهويّة، وكلاهما صنع هويّة بحسب تطلعاته، وتشكلت في زمن طبقي، كل منهما لجأ للطبقة الأقرب لبواعثه؛ دزرائيلي مع الارستقراطية، وماركس مع البروليتاريا.