لماذا نقول: نَفَقَتِ الطيورُ أو المواشي إذا انتهى عمرها، ولا نقول دائمًا: ماتت أو تُوُفِّيَت؟ سؤالٌ يبدو في ظاهره لغويًا، غير أنه يفتح بابًا إلى حسٍّ أعمق، حيث لا تقف الكلمة عند حدود المعنى، وإنما تتجاوزه إلى ما يليق بالمقام. في هذه المساحة من السطور، نقف عند ثلاثة ألفاظ تتماسّ في أصل الدلالة -وهو انقطاع الحياة- غير أنها تتباعد في الاستعمال، وتتمايز في الظلال، (الموت، والوفاة، والنفوق). تقول العرب: نَفَقَتِ الدابةُ، وتتحفّظ في نقل هذا اللفظ إلى الإنسان، وكأن في الكلمة حدًّا دلاليًا لا يُتجاوز. وقد وعَت المعاجم هذا التحديد؛ ففي لسان العرب: نَفَقَتِ الدابةُ تَنْفُقُ نُفوقًا: ماتت» وفي تاج العروس: ولا يُقال ذلك للآدمي». تقريرٌ يكشف أن النفوق لفظٌ خُصِّص للحيوان، يجري في سياق الطبيعة المباشرة، حيث تنتهي الحياة دون أن تُحمَّل ما وراءها من دلالةٍ إنسانية. أما الموت، فهو أعمّ هذه الألفاظ، يقال للإنسان ولغيره، ويَرِدُ في العربية على جهة الإخبار عن انقطاع الحياة، دون أن يلازم بالضرورة معنى التكريم أو الخصوصية. ومن هنا جاز أن يُقال: مات الحيوان، كما يُقال: مات الإنسان، فهو لفظٌ مشترك في أصل الحدث. غير أن العربية -في أرقى مستوياتها- تمنح الإنسان لفظًا أخصّ وأدقّ: الوفاة. فالوفاة استيفاء الأجل، وأخذ النفس كاملة، في دلالةٍ تتجاوز الحدث إلى ما وراءه. فهي تحمل في طياتها معنى الوفاء والتمام، ولأن الإنسان كائن مكلف ومكرّم وله روح، فإن خروجه من الدنيا لا يكون «هلاكاً» أو مجرد «موت» كالحيوانات، بل «وفاة» تعني توقف الأعمال وانتقال الروح إلى بارئها وهذا ما يتجلّى بوضوح في الاستعمال القرآني، حيث يَرِد لفظ الوفاة في مقام الإنسان خاصة، في مثل قوله تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُم لا يُفَرِّطونَ) الأنعام: 61. فالوفاة فعلٌ اختص به الإنسان تكريما له. وفي المقابل، يَرِد لفظ الموت على جهة العموم الشامل لكل المخلوقات من ملائكة وجن وبشر وغيرهم، في قوله تعالى: (كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ) (آل عمران: 185). وفي وسط هذا التعبير ظل النفوق خارج هذا الأفق، ولذلك لم يرد في القرآن الكريم، مع وروده في كلام العرب للحيوان. وكأن الاستعمال القرآني يرسّخ هذا التفريق، فيُبقي لكل مقامٍ لفظه، ولكل كائنٍ ما يليق به من تعبير. وقد انعكس هذا الحسّ في الشعر أيضًا، وإن جاء عابرًا، كما في قولهم في سياق القحط: إذا ما القحطُ أجدبَ في بلادٍ رأيتَ المالَ فيها قد نَفَقْ فالمال هنا هو المواشي، ونفوقها خسارة، غير أن التعبير ظلّ منضبطًا في حدوده، لم يتجاوز إلى غير مجاله. وهنا تجلٍ واضح للغة لا تنفُق ولا تزول، تُجيد الحضور، ولا تعرف طريقًا إلى الأفول؛ ولا تكتفي بالإشارة إلى المعنى، بل تصوغه وفق مقامه: فإن كان الحديث عن مطلق الانقطاع، جاء الموت. وإن كان المقام مقام الإنسان وما يتصل بكرامته ومآله، جاءت الوفاة. وإن كان الحديث عن الحيوان في سياق الطبيعة، جاء النفوق.