في ليلة ثقافية أحاطت بها الهيبة من جميع الوجوه كان اللقاء على قدر المتوقع.. فموضوع الفعالية كان الملك فيصل -رحمه الله- في ذاكرتنا الشعبية، وحضورها يتقدمهم سمو الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وسمو الأميرة هيفاء الفيصل، وعدد من أصحاب وصاحبات السمو الملكي، وجمع من المفكرين والمثقفين والأدباء السعوديين. أما مقرها فكان مركز الملك فيصل بقيمته العلمية والفكرية.. وكان المتحدث الأستاذ سعد الثنيان المستشار بوزارة الثقافة، ومحاوره الباحث والكاتب قاسم الرويس. فالملك فيصل -رحمه الله- ليس ملكاً فقط تنحصر سيرته في دهاليز السياسية ووثائقها، بل هو رمز تجاوز حتى حدود الذاكرة السعودية إلى الذاكرة العربية والإسلامية.. ولم يكن تمركز الفيصل في هذه الذاكرات إلا نتاج أعماله الجليلة ومواقفة الراسخة. ركز الأستاذ سعد الثنيان في محاضرته على القصص والحكايات الشعبية المتداولة في أوساط الناس العاديين عن الملك فيصل، ثم انتقل إلى علاقة الملك فيصل بشعر المحاورة، إضافة إلى حضوره -طيب الله ثراه- في شعر العرضة. ومن خلال ما استعرضه المحاضر ظهر الملك فيصل في الذاكرة الشعبية السعودية رجلاً قوياً وصادقاً وحازماً ومتديناً وقريباً من الناس.. وكل هذا يتطابق مع واقع شخصيته -رحمه الله-. اشتهر الفيصل -رحمه الله- بتواضعه ورفضه للألقاب التفخيمية، حيث رفض لقب "حامي الحرمين" واستبدله ب"خادم الحرمين"، ورفض تقبيل اليد.. لقد مرَّ -حمه الله- برجلين مسنين أحيلا للتو إلى التقاعد، فسألهما ما بهما فقالا بلهجتهما الشعبية "قوعدونا" يا طويل العمر. فلم يتردد في التوجيه بإلحاقهما ببند الأجور ليستكملا عملهما ويتقاضيا رواتبهما دون خوف من تجربة التقاعد مرة ثانية.. كما أقام نحو خمسة عشر عامًا نائبًا للملك عبدالعزيز في الحجاز وهو يقيم في منزل مستأجر رافضاً ما عرض عليه من قصور. لقد أجاد الأديب سعد الثنيان في مقاربة موضوعه حيث جمع بين دقة المعلومة، والقدرة على الغوص في الذاكرة الشعبية، وتقديم مادته بأسلوب جميل يشد المستمع. وقد زاد الفعالية جمالاً ما تفضل به سمو الأمير تركي الفيصل من تعليقات وسرد لبعض المواقف الخاصة بالفيصل سواء بعين الابن، أو المفكر، أو السياسي. ومن هنا أتوجه وأنا المعني تماماً بالتاريخ الوطني وسردياته وذاكراته المختلفة بالشكر للقائمين على هذا المركز وفي مقدمتهم سمو الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس الإدارة ، وسمو الأميرة مها بنت محمد الفيصل، والزملاء العاملين معهما على مقاربة هذا الموضوع الحيوي والمهم.. فالذاكرة الشعبية هي الوعاء غير الرسمي للتاريخ الوطني، وهي رافد مهم من روافد كتابته.. وعلى الرغم من ذلك مازال الاهتمام بالذاكرة الشعبية السعودية أقل من المأمول لا سيما من الجهات المعنية بالتاريخ لدينا على الرغم من الميزانيات الضخمة التي تضخها الدولة -حفظها الله- ووجود الكوادر السعودية القادرة على مقاربة هذا الموضوع بما يخدم تاريخنا الوطني.