حينما يتحول»الورق»من خامة وسيطة ومجرد مساحة للرسم - إلى بطل للعمل الفني، وكيان حيّ يسرد القصص، ويدفع صاحبه نحو التجريب المستمر والتقدم بجسارة ومغامرة بلا خوف - فالورق»حاملٍ للذاكرة والهوية»ووسيط يكشف كيف يطوع الفنان هذه المادة ليعبر بتنوع عن قضايا هويته، ليس عن طريق رسم الأشكال، بل ممارسة فعل من أفعال»المقاومة الجمالية»واستعادة الذاكرة، والهوية»كبصمة وراثية»وتسطير تاريخي للوجود يحفظ بصمات الزمان ويحتفظ بالأثر، وهو ما يصبغ العمل بخصوصيته وعالميته في آن واحد. ولما يحمله من قدرة على البقاء والتدوين، وفي وصف يلمس جوهر»سيكولوجية الإبداع»، يأتي»الورق»بذكائه وبساطته، ليمنح الفنان «دعوة للعودة إلى»لحظة الصدق الأولى»بعيداً عن التكلف- وشاهد على المساحة التي تتصالح فيها الروح مع الجسد، للربط بين»المقدس» «والشغف الإنساني»- في هبة ومنحة للعمل الفني»وحقه أن يكون إنسانياً» قبل أن يكون مكتملاً. كتوجه يكسر حدة البحث عن»الكمال البارد»ويقرب الفن من وجدان المتلقي الذي يرى في الورق انعكاساً لضعفه وقوته. والفنان المعاصر لا يرسم»على الورق» بل يرسم «مع الورق» مستفيداً من تاريخه العريق في حمل أسرار البشرية، ومختبر»ولدت فيه أعظم الأفكار البشرية- فالورق هنا لا يستقبل الحالة فقط، بل «يتفاعل» معها، ويمتص الحبر، ويتجعد تحت وطأة الماء، أو يبرز تحت ضغط المكبس، ويمتزج اللون بالألياف ليصبح جزءاً من كيانها، وهو تفاعل يمنح الورق»صفة الكيان الحي» «وينحت الأثر الباقي» الذي يحكي قصة الضربة، وقوة الضغط، وكمية الصبغات التي تمنحه صدقاً لا يمكن تكراره. «مختارات عربية في مرسمي: تعددية المذاهب وطزاجة الأفكار على بساط الورق»: ضمن مصاف التظاهرات الفكرية والجمالية الكبرى - يأتي معرض»ورق- مختارات عربية» حتى 15 /04/ 2026 في»مرسمي غاليري للفنون-الرياض العليا مجمع الموسى برج1، «وادراة المبدع «عدنان الأحمد «كاحتفاء»بالمادة كبطل»وفضاء تلتقي فيه هشاشة الورق مع ثقل المعنى، حيث تتحول الورقة من مساحة بيضاء صامتة إلى كيان حي يحمل «بصمات الزمان» «وذاكرة الهوية» (حين تتحوّل الورقة إلى وطنٍ صغير، وتصير الذاكرة ملمسًا يُرى، وتلتقي التجارب العربية على سطحٍ واحد) تستلهم «لحظة الصدق الأولى» على الورق لتقديم رؤى فنية مدهشة غير متوقعة متحررة من قيود «اللوحة الصالونية» التقليدية. ففي غاليري»مرسمي «لا نتحدث فقط عن مساحة عرض، بل عن «لقاء فني»»ومساحة حوار واشتباك فني» ومنصة لتبادل الخبرات والتقنيات، والتي لا يطلع فيها الجمهور على مجرد «لوحات»، بل يتلامس مع تجربة لاستعادة ذاكرة إنسانية ضاربة في العمق «وحالة فنية تنقل المعرض من مجرد» تجمع فنانين» إلى «بانوراما فنية متكاملة» تعكس تناوع المذاهب الأسلوبية وتعدد التقنيات وطزاجة الأفكار والابتعاد عن القوالب المكررة، ليتحول الورق إلى ميدان فسيح يتسع لكل المتباينات الجمالية كضمانة حقيقية لحيويّة الحراك التشكيلي المعاصر، بما يسطر المعرض مرجعاً يختصر المشهد الفني العربي في لحظته الراهنة التي تذوب فيها الفوارق الجغرافية لتلتقي الاتجاهات في حوار بصري متناغم، يثبت أن الهم الإنساني والجمالي واحد مهما اختلفت المشارب. ولأن «الورق»هو ملجأ يشعر معه الفنان بالأمان والحرية من «سطوة» الخامات المكلفة والمعقدة، وملاذ للفكرة في «لحظة صدقها الأولى»- فإننا لانجد أنفسنا»نصف حالة فنية أو عرض بصري معتاد «عند تحليل معرض «ورق-مختارات عربية» بل نرسم «خريطة طريق»لنهضة فنية عربية معاصرة-»فالورق» في هذا المعرض»، ليس صامتاً، بل هو»محرض على التفكير»ومكتشف لآفاق جمالية جديدة، وسجل بصري يتسع لكل تراجعات الفنان واندفاعاته وتدفقاته، لتنبثق لنا في النهاية بصدق مطلق «لا يعرف التجميل أو التزييف وبهرجة الادعاء-فالفنان أمام «الورق» هو أمام «مرآة الحقيقة» لا يكتفي بدور ناقل الأشكال، بل هو مؤرخ وجداني تكمن عظمته في قدرته على تقديم الحقائق الجوهرية (الإنسانية، الهوية، والذات). وفي استهلال يحمل شحنة وجدانية وفلسفية رصينة، يذكر «عدنان الأحمد» في مقدمة كتالوج المعرض، بأن هذا المعرض، يعود الورق إلى جوهره بوصفه ذاكرة مفتوحة، ومساحة للتأمل، وسجلاً بصرياً لتجربة لا تدّعي اليقين، بل تحتفي بالبحث، وبحرية التعبير، وبجمال البدايات. في هذا المعرض، لا يُقدَّم الورق بوصفه وسيطاً تقنياً فحسب، بل باعتباره فضاءً حيّاً تتقاطع فيه الذاكرة مع التجربة، ويغدو سطحاً حساساً لالتقاط الأثر الإنساني في أكثر تجلياته شفافية وهشاشة- كما أن هذا المعرض لا يسعي إلى تقديم إجابات، بقدر ما يفتح أفقاً للتأمل: كيف يمكن لسطحٍ هش أن يحمل كل هذا الثقل من المعنى؟ وكيف تتحول البساطة الظاهرة لعمق بصري ومعرفي؟ إنه لقاء بين تجارب تتباين في مساراتها، لكنها تتشارك في إيمانها بأن الفن، في جوهره، هو إعادة صياغة للعالم- حتى وإن كان ذلك عبر أكثر المواد تواضعاً. *الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد عمل ضياء عزاوي عمل محمد الأميري عمل عبدالله مراد