من الواضح أن مبادرة الصينوباكستان تتقاطع مع الموقف الإيراني بشأن وقف الحرب أولاً قبل تقديم أي تنازلات.. ولكنها من ناحية أخرى لا تُميّز بين الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران وهجمات الأخيرة على دول الخليج، التي ليست طرفاً في هذه الحرب، بل سعت لتفاديها وقدمت الوساطات لمنع وقوعها.. في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه عرض على إيران مبادرة من 15 نقطة لحل الأزمة بين الجانبين، وأكدت باكستان أنها كانت وسيطاً لإبلاغ طهران بالمبادرة. وقال ترمب هذا الأسبوع إنه تم تحقيق "تقدم كبير" في المحادثات مع إيران حول هذه المبادرة. ويعزو الجانب الأميركي هذا التقدم إلى نجاحه عسكرياً في تحقيق عدد من أهداف الحرب، "قبل الموعد المحدد لها" وفقاً لتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو يوم 31 مارس، مما أقنع بعض القادة الإيرانيين بالقبول بالمبادرة، على الرغم من التصريحات العلنية برفضها. وفي هذه الأثناء أعلنت الصينوباكستان يوم 31 مارس عن مبادرة جديدة من خمس نقاط، تختلف عن المبادرة الأميركية في نقطتين رئيسيتين، الأولى أنها تؤكد على وقف إطلاق النار (على جميع الجبهات) قبل المفاوضات، في حين ترى واشنطن أهمية استمرار الحرب كوسيلة للضغط لمنع إيران من استخدام المفاوضات لشراء الوقت دون تحقيق تقدم ملموس، كما كان يحدث في الجولات السابقة. والنقطة الثانية تتمثل في التأكيد على مركزية دور الأممالمتحدة في مبادرة الصينوباكستان، خلافاً للمبادرة الأميركية، التي تفضل التفاوض الثنائي أو عبر وسيط تثق به. عندما سُئل الرئيس الأميركي عن مبادرة الصينوباكستان، لم ينتقدها أو يعلق عليها، مكتفياً بالقول إن المفاوضات مع إيران تسير بشكل جيد، وهو ما ينفيه الجانب الإيراني طبعاً. من الواضح أن مبادرة الصينوباكستان تتقاطع مع الموقف الإيراني بشأن وقف الحرب أولاً، قبل تقديم أي تنازلات. ومن ناحية أخرى، لا تُميّز المبادرة بين الهجمات الإسرائيلية والأميركية على إيران وهجمات الأخيرة على دول مجلس التعاون، التي ليست طرفاً في هذه الحرب، بل سعت لتفاديها وقدمت الوساطة تلو الوساطة لمنع وقوعها. وبين هاتين المبادرتين -الأميركية والصينية- هناك عدد من الأفكار التي يتم تداولها بشأن حل الأزمة، مقدمة من روسيا والاتحاد الأوروبي وغيرهما. دول المجلس تتمتع بعلاقات متميزة مع الولاياتالمتحدة ومع الصين والاتحاد الأوروبي وغيرها، وهي على تواصل مستمر معها بشأن وقف العدوان الإيراني ومعالجة تداعياته، ولكن التحرك الخليجي في الإطار الدولي يختلف عن تلك المبادرات بتركيزه على ثلاث أولويات: الأولى فصل عدوان إيران ووكلائها على دول المجلس عن موضوع الهجوم الأميركي-الإسرائيلي عليها، ورفض تبرير ذلك العدوان بأنه صدٌّ لهجوم أميركا وإسرائيل. وبالفعل نجح التحرك الخليجي في إصدار قرار مجلس الأمن 2817 في 11 مارس، الذي تبنى هذا الطرح، وحصل على دعم 136 دولة، وهو حشد دولي غير مسبوق لمثل هذه القرارات. الأولوية الثانية هي تأمين مضيق هرمز واستئناف حرية الملاحة فيه، وهذا هو هدف التحرك الحالي في مجلس الأمن، لاستصدار قرار جديد يضمن تحقيق ذلك على وجه السرعة. إذ إن تقليص صادرات دول المجلس من البترول والغاز والبتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم التي كانت تعبر المضيق قبل الأزمة الحالية، فوق إضراره بمصالح دول المجلس، يُنذر بركود اقتصادي عالمي قد يتحول سريعاً إلى كساد إذا استمر إغلاق المضيق. الأولوية الثالثة أن تكون هناك مفاوضات شاملة، بعد وقف الهجمات وتأمين مضيق هرمز، تشارك فيها دول مجلس التعاون، لمعالجة كافة القضايا التي تُقلق المجتمع الدولي بشأن إيران، من الملف النووي إلى الصواريخ الباليستية والمسيرات وتصرفاتها المزعزعة للاستقرار.