ارتفعت أسعار الذهب، أمس الثلاثاء، لكنها سجلت خسائر فادحة في مارس بأكبر انخفاض شهري لها منذ أكثر من17 عامًا، مع إقبال المستثمرين على الدولار باعتباره الملاذ الآمن المفضل وسط الحرب في الشرق الأوسط التي أثارت مخاوف التضخم وتوقعات بسياسة نقدية متشددة، وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.9 % إلى 4550.68 دولارًا للأونصة، كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم أبريل بنسبة 0.5 % إلى 4580.70 دولارًا. وانخفض سعر الذهب بأكثر من 13 % هذا الشهر، مما يجعله على وشك تسجيل أكبر انخفاض له منذ أكتوبر 2008. ومع ذلك، ارتفعت الأسعار بنحو 5 % خلال الربع، بعد أن سجلت مستوى قياسياً بلغ 5,594.82 دولاراً أمريكياً في 29 يناير. وتُعد الأسعار منخفضة بنسبة 18.70 % عن أعلى مستوياتها القياسية. وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في شركة كيه سي ام تريد: "لا يزال المتداولون ينظرون إلى الذهب من منظور استثماري قيّم عند هذه المستويات، بالنظر إلى سعر تداول المعدن النفيس قبل بضعة أشهر فقط، لذا، فإن مزيجاً من انخفاض أسعار النفط، وتراجع الدولار، ومستويات الشراء الجذابة، مما دفع الذهب للارتفاع اليوم". ويُنظر إلى الذهب عادةً على أنه وسيلة للتحوط ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية، لكن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب يزيد أيضاً من التوقعات بارتفاع أسعار الفائدة، ويعزز جاذبية الدولار كملاذ آمن مفضل. ويتجه الدولار نحو تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ يوليو، مما يجعله أقوى الأصول الآمنة، مدعومًا بمكانة الولاياتالمتحدة كمصدر رئيسي للطاقة ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية خلال الشهر الماضي من الصراع. واستبعد المتداولون تقريبًا أي احتمال لخفض أسعار الفائدة الأمريكية هذا العام، بعد أن كان متوقعًا خفضان قبل الحرب. وقال واترر: "إذا بقي مضيق هرمز مغلقًا، فقد تظل أسعار النفط متقلبة مع احتمال ارتفاعها أكثر نتيجة قيود العرض. لذا، فإن قصة ارتفاع أسعار النفط، التي أثرت سلبًا على أسعار الذهب منذ بداية الصراع، لم تختفِ بعد". وشهدت المعادن النفيسة الأخرى ارتفاعاً أيضاً، إذ ارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 2.7 % إلى 71.89 دولارًا للأونصة، وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 1% إلى 1917.49 دولارًا، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1.5 % إلى 1427 دولارًا. وقد انخفضت أسعار المعادن الثلاثة مجتمعة بنحو 20 % لكل منها حتى الآن في مارس. وقال محللو السلع النفيسة لدى انفيستنق دوت كوم، ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الثلاثاء، لكنها لا تزال مُتجهة نحو خسائر كبيرة في مارس، حيث أثرت توقعات التضخم المتزايدة على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سلبًا على الأصول غير المُدرّة للدخل، مثل المعادن. كما تلقى الذهب بعض الدعم من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، الذي صرّح بأن التضخم على المدى الطويل ظل مستقراً بعد تجاوز أي صدمات قصيرة الأجل. تأثر المعدن الأصفر وعلى الرغم من مكاسب هذا الأسبوع، تأثر المعدن الأصفر بشدة بتزايد الشكوك حول المزيد من خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، لا سيما مع اندلاع الحرب الإيرانية التي رفعت أسعار النفط وزادت من توقعات ارتفاع التضخم. كما أعلنت بعض البنوك المركزية الكبرى، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، عن احتمالية رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، مما أدى إلى ارتفاع العوائد وتقليل جاذبية الأصول غير المدرة للدخل. وتوقع بنك غولدمان ساكس أن تصل أسعار الذهب إلى 5400 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مدفوعةً بتخفيضات متوقعة في أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، وعودة المضاربات إلى مستوياتها الطبيعية، واستمرار عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية. ويتمسك محللا البنك، لينا توماس، ودان سترويفن، بهذا الرأي رغم تراجع سعر الذهب بنحو 15% إلى حوالي 4580 دولارًا منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. ويعزو المحللان هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل، أبرزها طبيعة الصراع نفسه. وقد أدى اضطراب إمدادات الطاقة الناجم عن الحرب إلى تأجيج المخاوف من التضخم، ودفع الأسواق إلى استبعاد تخفيضات أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي لهذا العام تمامًافي ظل هذا السيناريو، ويقدّر بنك غولدمان ساكس القيمة العادلة الحالية للذهب بنحو 4550 دولارًا للأونصة، بافتراض استمرار التحوّطات السياسية الكلية القائمة قبل النزاع. كما أدّى الطلب القياسي على خيارات الشراء في وقت سابق من هذا العام إلى تعريض الذهب للخطر، وكما أشار بنك وول ستريت الشهر الماضي، فإنّ هذا التمركز يعني أن حتى تصحيحًا طفيفًا في سوق الأسهم قد يُؤدّي إلى تراجع كبير في أسعار الذهب، مُشيرًا إلى 4700 دولار كحد أدنى لمثل هذا التراجع. ومع انتهاء موجة البيع، انخفض صافي المراكز المضاربية في بورصة كومكس إلى أدنى مستوى له، وتمّ تصفية مراكز خيارات الشراء إلى حدّ كبير، مما جعل السوق في وضع "أكثر استقرارًا"، وفي رأي المحللين، عند "نقطة دخول أكثر جاذبية". وقد رفض المحللون فكرة فشل الذهب في دوره كملاذ آمن أو كأداة للتحوّط من التضخم. ويُجادلون بأنّ سلوك الذهب يختلف باختلاف نوع الصدمة التضخمية. تاريخيًا، يميل التضخم الركودي الناتج عن نقص العرض، كما هو الحال في الوضع الراهن، إلى تفضيل السلع على الذهب، بينما يحقق المعدن أداءً أفضل عندما ينبع التهديد من مخاطر تتعلق بمصداقية المؤسسات، مثل الشكوك حول قدرة البنك المركزي على كبح التضخم. وكتب المحللون: "كما حدث في عام 2022، عادةً ما يكون أداء الذهب ضعيفًا في البداية خلال فترات اضطراب العرض. فالتضخم الناتج عن نقص العرض يزيد من مخاطر تشديد السياسة النقدية، كما أن ارتفاع العوائد يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب ويؤثر سلبًا على الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة، وتؤدي انخفاضات سوق الأسهم إلى عمليات تصفية مرتبطة بالهامش." وفيما يتعلق ببيع البنوك المركزية، استبعد توماس وسترويفن المخاوف من أن تحذو دول الخليج حذو تركيا - التي أفادت التقارير أنها باعت حوالي 52 طنًا - في تصفية احتياطياتها. إذ تحتفظ دول الخليج بحصص أقل بكثير من الذهب في احتياطياتها، وتدير عملاتها عادةً من خلال أنظمة مرتبطة بالدولار، مما يجعل بيع سندات الخزانة الأمريكية أكثر ترجيحًا من التخلص من الذهب. بالنظر إلى المستقبل، يرتكز السيناريو الأساسي لغولدمان ساكس على ثلاثة عوامل رئيسية: عودة المضاربات إلى مستوياتها الطبيعية، والتي يقدر البنك قيمتها بنحو 195 دولارًا للأونصة؛ وخفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، وهو ما يتوقعه خبراء الاقتصاد في البنك، ما يضيف حوالي 120 دولارًا؛ وتسارع وتيرة شراء البنوك المركزية إلى حوالي 60 طنًا شهريًا، ما يساهم بنحو 535 دولارًا. ومع ذلك، لا تزال هناك مخاطر هبوطية، فقد حذر المحللون من أن استمرار اضطراب مضيق هرمز وضعف سوق الأسهم قد يدفع سعر الذهب إلى الانخفاض إلى 3800 دولار في حال حدوث تصفية حادة.