وكانت رسالات السماء أسبق إلى تحقيق «وحدة الإنسان»، فلم تقر –يوماً– بإمكان فصل عقله عن عاطفته، أو ضغط شريف مشاعره من أجل فكره، فكانت تتولى أمره –بحزم شريف مليء بالتقدير والتكريم– على أنه: روح وبدن، وعقل وعمل واتزان وعاطفة، ورغبة وأمل، طاقة واندفاع وأنه –على كل ذلك– وحدة لا تتجزأ، وأن العاطفة والروح، والعقل والعمل والرغبة والأمل، كل ذلك يستقر في قلب هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، واستخلفه –في الأرض– ليحيل خرابها عماراً، وفسادها صلاحاً. تلك الرسالات التي اصطلحنا على تسميتها: «رسالات سماوية»، لنفرق بينها وبين ما أطلق الإنسان من فلسفة وعقائد صارت ديناً لقوم دون آخرين، فحملت رسالات الله للإنسان شريعة كانت ممارستها أمراً ونهياً صمام أمان لا تتضارب أمامه مشاعره وحاجات الآخرين، ولا ينتكس الحق عنده بين قلبه وعقله وأمله، ثم هي –من قبل ذلك وبعده– تسمو به عن الذلة لآخرين، وتوجهه لمهمته الثانية: «مهمة تعمير الكون» فقد كان من المحال أن يضطرب المرء في نفسه، ويفقد اتزانه ثم يكون صالحاً لعمارة الكون. على أن بعض رسالات الله إلى البشر لم تكن بمأمن من هوى بعض الأتباع، فابتدعوا لها «رئاسة» ليست من طبيعتها، وجعلوا لتلك الرئاسة حقوقاً ما أنزل الله بها من سلطان، حقوقاً سطت على الرسالة فأضاعت حصانتها، فتغيرت بأيديهم، وتلوثت بتحريفهم، وانتهى بعضها إلى «عقيدة» لا يربطها ب «الأصل» السماوي شيء، وليس بعيداً –أبداً– أن تكون أشد العقائد وثنية إنما هي حصيلة تحريف وتبديل لعقيدة سماوية نزل بها سقف التأويل والحذف والتبديل إلى الحضيض حتى اتخذت –من دون الله– أنداداً. إن ديانة السماء ذات «أصول» لم تتغير أبداً في أي رسالة أوحى الله بها إلى واحد من رسله –صلوات الله وسلامه عليهم– وذات تشريع لممارسة العبادة من صلاة وصيام وزكاة. الصيام من البداية حتى الإسلام – د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*