تكملةً للمقال السابق الذي تناولتُ فيه انطفاء وهج الحواري، أودّ هنا أن أتوقف عند حماس لاعبي الحواري وتأثيره العميق. ذلك الحماس المتوقد الذي كان يملأ الملاعب الترابية شغفًا ورغبةً وإصرارًا، وهو بلا شك ينعكس إيجابًا على اللاعب حين ينضم لاحقًا إلى الأندية ويخوض المنافسات على الملاعب العشبية. لذلك، لا تستهينوا بالحواري، ولا تعتبروا ما يحدث فيها أمرًا عابرًا يمرّ مرور الكرام. فكل شيء في كرة القدم له أثره، سلبًا كان أو إيجابًا. وفي اعتقادي، لو سألنا اللاعبين القدامى -خصوصًا أولئك الذين خاضوا تجربة الحواري والأندية بالشغف ذاته- عن الأسباب التي رسمت مسيرتهم الناجحة، لانكشف لنا أحد الأسرار الخفية التي ساهمت في اختفاء كثير من المواهب، وعجزها عن مواصلة المشوار حتى نهايته. فاللاعب الكروي إذا فقد حماسه ورغبته وشغفه باللعبة، أصبح يؤدي بلا روح، هنا أو هناك. والمال في هذا السياق ليس سببًا جوهريًا؛ إذ يبقى وسيلة لا غاية. وأنا دائمًا ضد المقولة الشائعة: «لم يعد لدينا مواهب حقيقية كما في السابق»، وهي عبارة تتردد كثيرًا إعلاميًا وصحفيًا. والحقيقة أن المواهب لم تندثر يومًا، وأن كرتنا ما زالت ولّادة للمواهب باستمرار. لكن السؤال الأهم: من يعيد لهم الوهج الذي انطفأ؟ كما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق»، أي أن الأم هي الأساس؛ فإذا اعتُنِي بها أخرجت أجيالًا ناجحة ومتفوقة في شتى المجالات. وينطبق الأمر ذاته على الحواري، فهي البناء الأساسي للأندية. فإذا تأثرت فرق الأحياء، فاعلموا أن المشكلات ستتمدد حتمًا إلى الأندية. ما ذكرته آنفًا لم يكن إلا طرحًا صريحًا وواقعيًا، بعيدًا عن المبالغة أو المجاز المفرط، فضلًا عن الخيال. ختامًا: قبل أن تتحدث عن المشكلة، ابحث عن أسبابها الرئيسة، حتى تعثر على الخلل الكامن فيها، ومن ثم تبدأ العلاج فورًا. فمثلًا، من يكثر من تناول السكريات ويهمل ممارسة الرياضة، ثم يتساءل لاحقًا عن سبب إصابته بالداء، إنما يغفل عن أصل المشكلة قبل الشكوى من نتائجها.