شهدت الأزمة بين الولاياتالمتحدةوإيران تصعيداً غير مسبوق انتقل من مسار تفاوضي متعثر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أعقاب عمليات عسكرية واسعة استهدفت مواقع داخل إيران. وجاء هذا التطور في سياق توترات متراكمة على خلفية البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والتوازنات الإقليمية المرتبطة بسياسات الردع، ما أدخل المنطقة مرحلة جديدة تتزايد فيها احتمالات اتساع رقعة المواجهة. إعلان العمليات العسكرية أعلن الرئيس الأميركي، السبت، بدء عمليات قتالية واسعة النطاق ضد إيران، بالتنسيق مع إسرائيل، مؤكداً أن الهدف يتمثل في القضاء على ما وصفه بالتهديدات الإيرانية، بما في ذلك البرنامجين الصاروخي والنووي، ومنع طهران من تطوير سلاح نووي. وأشار إلى أن النظام الإيراني يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي ولحلفاء واشنطن في المنطقة. وشملت الضربات أهدافاً عسكرية واستراتيجية في العاصمة طهران ومدن أخرى من بينها أصفهان وقم. كما أعلنت إسرائيل مشاركتها في العملية، معتبرة أنها تستهدف تحييد ما تصفه بتهديد وجودي لأمنها. وفي المقابل، أطلقت إيران موجة أولى من الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل. جذور التصعيد لم يكن التنسيق الأميركي الإسرائيلي وليد اللحظة، إذ تعود جذور التوتر إلى موجة احتجاجات اندلعت في إيران أواخر ديسمبر ويناير الماضيين، على خلفية الأوضاع الاقتصادية. وبدأت الاحتجاجات بإضرابات نفذها أصحاب متاجر في طهران قبل أن تتوسع إلى مدن أخرى، وتشمل شرائح مختلفة من المجتمع، من بينها طلاب جامعات. وردت السلطات الإيرانية بحملة اعتقالات طالت قادة الاحتجاجات، في وقت تحدثت تقارير حقوقية عن سقوط آلاف الضحايا. وقدّرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة «هرانا» عدد الضحايا بأكثر من ستة آلاف شخص، استناداً إلى توثيق نشطاء داخل البلاد. وفي خضم تلك التطورات، صعّد الرئيس الأميركي لهجته، محذراً من تدخل الولاياتالمتحدة «لإنقاذ المتظاهرين السلميين» في حال تعرضهم لإطلاق النار. وفي المقابل، أكد المرشد الإيراني آنذاك أن بلاده «لن تتراجع أمام العدو»، مشدداً على ضرورة مواجهة ما وصفه بأعمال الشغب، مع الإقرار بوجود مطالب شعبية. تعزيزات عسكرية أميركية تزامناً مع تعثر المسار التفاوضي، عززت الولاياتالمتحدة حضورها العسكري في الشرق الأوسط، حيث دفعت بعشرات الطائرات المقاتلة وقاذفات بعيدة المدى، وأنظمة دفاع صاروخي متقدمة، إضافة إلى حاملة طائرات ومدمرات حربية. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية نشر قدرات إضافية لتعزيز الوضع الدفاعي وحماية القوات الأميركية في المنطقة. كما تم نشر أنظمة دفاع صاروخي من طراز «ثاد» و«باتريوت» لحماية الأصول الأميركية، في خطوة عكست ارتفاع مستوى التوتر. تعثر مفاوضات جنيف جاء التصعيد العسكري عقب فشل الجولة الثالثة من المفاوضات النووية التي عُقدت في جنيف، حيث برزت فجوة واضحة بين مطالب الجانبين. فقد دفعت واشنطن باتجاه تفكيك مواقع نووية رئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، وإبرام اتفاق دائم لا يتضمن بنوداً زمنية تنتهي لاحقاً. في المقابل، رفضت طهران التخلي عن التخصيب أو تفكيك منشآتها النووية، وأبدت تمسكها بحقها في مواصلة برنامجها، مع طرح مقترحات لتخفيف المخاوف، من بينها خفض نسب التخصيب أو تعليقها لفترة محددة. وتشير تقديرات استخباراتية أميركية إلى أن إيران قد تمتلك بحلول عام 2035 قدرات صاروخية عابرة للقارات إذا قررت تطويرها، وهو ما تنفيه طهران، مؤكدة أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية ومدنية. مرحلة جديدة من المواجهة أدى تعثر المفاوضات، وتراكم الضغوط الاقتصادية، والتصعيد الخطابي المتبادل، إلى انتقال الأزمة من حافة المواجهة إلى اندلاع عمليات عسكرية مباشرة، في تطور يعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي، ويضع المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات الدبلوماسية المتعثرة. ومع استمرار العمليات العسكرية والتهديدات المتبادلة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت التحركات الراهنة ستقود إلى تسوية سياسية جديدة، أم إلى اتساع نطاق المواجهة بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن واستقرار المنطقة.