في خضم الثورة الرقمية التي أعادت رسم خارطة التواصل بين المؤسسات وجماهيرها، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الساحة الأولى التي تُشكَّل فيها الصور الذهنية وتُبنى فيها المصداقية أو تُهدم. وفي هذا الفضاء المتسارع، لجأت الجهات الحكومية المدنية كانت أم عسكرية إلى تعدد حساباتها الرسمية، فأنشأت حسابات للجهة ذاتها وأخرى لمتحدثيها الرسميين، وهو توجه صحيح ومحمود في جوهره، إذ يُتيح للمؤسسة التحدث بصوتين مكمّلين لا متنافسين: صوت مؤسسي شامل وصوت تخصصي موقفي. غير أن الواقع الاتصالي يكشف أن هذا التعدد حين لا يُدار بوعي ووضوح يتحول من ميزة إلى عبء، ومن قوة إلى مصدر للارتباك والازدواجية وضياع الهوية. الفرق الجوهري بين الحسابين.. ليس مجرد اسم مختلف قبل الخوض في إشكاليات الازدواجية، لا بد من استيعاب الفارق الجوهري بين حساب الجهة وحساب المتحدث الرسمي، إذ إن الخلط بينهما في الفهم هو البذرة الأولى لكل اضطراب اتصالي لاحق. حساب الجهة هو المرآة المؤسسية الشاملة، يعكس هوية المنظمة بأكملها ويحمل صوتها الرسمي في شؤونها اليومية وإنجازاتها وفعالياتها وأنشطتها الاتصالية الاستراتيجية، وهو يخاطب جمهوراً عريضاً متنوعاً يضم المهتمين والمتابعين العامين والمختصين على حد سواء. أما حساب المتحدث الرسمي فهو أداة اتصالية مختلفة تماماً في طبيعتها وغايتها. إنه ليس امتداداً لحساب الجهة ولا نسخة مكررة منه، بل هو صوت متخصص يُعبّر عن المواقف الرسمية إزاء القضايا والأحداث ذات الحساسية، ويتعامل مع الإعلام بوصفه جسراً تفاعلياً يربط المؤسسة بالرأي العام في اللحظات الفارقة. وجمهوره الأساسي هو الإعلاميون والمحللون وصانعو القرار والمتابعون المتخصصون، محلياً ودولياً. هذا الفارق ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو الأساس الذي يُحدد على ضوئه ما يُنشر وما لا يُنشر، وما يُقال وما يُحجم عنه، وكيف تُصاغ الرسالة ولمن تُوجَّه. حين يصبح المتحدث ناشراً للأخبار اليومية تبرز إشكالية حقيقية حين ينزاح حساب المتحدث الرسمي عن مهمته الأصيلة ويبدأ في استنساخ محتوى حساب الجهة أو التحول إلى منبر للأخبار والفعاليات اليومية الروتينية. وهذا الانزياح لا يحدث فجأة في الغالب، بل يتسلل تدريجياً، مدفوعاً أحياناً بالرغبة في رفع معدلات التفاعل، وأحياناً بغياب التوجيه الواضح، وأحياناً بضغط ثقافة النشر المستمر التي فرضتها بيئة التواصل الاجتماعي. والنتيجة الحتمية لهذا الانزياح أن المتابع يجد نفسه أمام حسابين يقولان الشيء ذاته بطريقة مختلفة، فيتساءل عن الجدوى من متابعة الاثنين، ويفقد تدريجياً إحساسه بما يُميز كلاً منهما. والأخطر من ذلك أن حساب المتحدث يفقد هيبته الاتصالية وثقله التخصصي، إذ لا يعود مرجعاً استثنائياً يُلجأ إليه في اللحظات الحرجة، بل يتحول إلى قناة إضافية في زحام القنوات. الازدواجية.. حين يُضعف الكثير الأثر الازدواجية في المحتوى بين الحسابات الرسمية للمؤسسة الواحدة ظاهرة أعمق مما تبدو عليه. فمن المنظور الاتصالي، كل رسالة تُنشر عبر قناتين متماثلتين تفقد نصف قيمتها الإعلامية، لأن الجمهور المستهدف لا يرى في التكرار دليلاً على الأهمية، بل يراه مؤشراً على الفوضى المؤسسية أو ضعف التنسيق الداخلي. يُضاف إلى ذلك ما يُسميه علم الاتصال ب"تشتت الهوية الرقمية"، وهو حين لا يستطيع المتابع تحديد المرجع الأول الذي ينبغي أن يُعوِّل عليه، فيلجأ إلى تجاهل الحسابين معاً أو الاكتفاء بالأكثر شهرة والتخلي عن البقية. وفي سياق المؤسسات ذات الطابع الأمني والعسكري، يكتسب هذا التشتت أبعاداً أكثر خطورة، لأن الجمهور الدولي تحديداً يبحث عن صوت واحد واضح، لا عن قنوات متشعبة تفتقر إلى التنسيق. خطر يتجلى وقت الأزمات تتضح خطورة ضياع الهوية الاتصالية بصورة جلية في لحظات الأزمات والتوترات الإعلامية. فحين تنشب أزمة وتتسارع الأحداث، يتجه الإعلام والجمهور فوراً نحو حساب المتحدث الرسمي بحثاً عن الموقف الرسمي الواضح والموثوق. فإذا كان هذا الحساب قد أمضى أشهراً يُشارك فعاليات يومية ومناسبات بروتوكولية، فإنه يدخل الأزمة مُثقلاً بصورة ذهنية لا تتسق مع الدور المطلوب منه في تلك اللحظة. والأشد خطورة أن المتابعين في الأزمات يعودون إلى تاريخ الحساب ومحتواه السابق لتقييم مصداقيته، فإن وجدوه خليطاً من المحتوى المتنوع غير المتخصص تراجعت ثقتهم في رسائله حتى حين تكون صحيحة ودقيقة. المصداقية الاتصالية رصيد يُبنى ببطء ويُهدر بسرعة، وأفضل طريقة لبنائه هي الاتساق الدائم في الهوية والمحتوى. نماذج عالمية تؤكد المبدأ لا تنفرد الكثير من الجهات الحكومية بهذه الإشكالية، بل إنها سمة عالمية دفعت كبرى المؤسسات إلى وضع ضوابط صارمة. فحلف الناتو يُفرق تفريقاً واضحاً بين حساب الحلف ذاته وحساب المتحدث الرسمي، إذ يقتصر الأخير على المواقف الرسمية والتصريحات المتعلقة بالعمليات والسياسات التحالفية، في حين يُعنى حساب الحلف بالمحتوى المؤسسي الأشمل. وينبثق هذا الفصل من مبدأ راسخ في الحوكمة الاتصالية للناتو وهو وحدة الرسالة ووضوح المرجعية في كل قناة. وعلى المستوى المدني، تتبنى الحكومات والوزارات الكبرى في الدول المتقدمة دلائل اتصالية تفصّل دور كل حساب وتحدد موضوعاته وحدوده، بل وتُلزم القائمين على هذه الحسابات بالالتزام بها تحت إشراف مؤسسي مباشر. منظومة الحوكمة الرقمية.. الحل الجذري لا تُعالَج إشكالية ضياع الهوية الاتصالية بتدخلات آنية ومعالجات فردية لكل منشور مخالف، بل تستدعي بناء منظومة حوكمة رقمية متكاملة تقوم على ثلاثة أركان: الركن الأول: وثيقة الهوية الاتصالية لكل حساب، وهي الوثيقة التأسيسية التي تُحدد رسالة الحساب وجمهوره المستهدف وطبيعة محتواه والموضوعات التي يُعنى بها والحدود التي لا يتجاوزها، وتُشكّل المرجع الفصل عند أي خلاف أو التباس في القرار التحريري. الركن الثاني: آلية الاعتماد المسبق للمحتوى، إذ لا ينبغي أن يُنشر محتوى على الحسابات الرسمية ذات الحساسية العالية دون مرور بمسار اعتماد يضمن انسجامه مع الهوية الاتصالية ويحول دون الانجراف التدريجي نحو محتوى لا يخدم رسالة الحساب. الركن الثالث: الخريطة الاتصالية المؤسسية الرقمية، وهي رؤية شاملة تحدد علاقة الحسابات الرسمية بعضها ببعض وتوزيع الأدوار فيما بينها، بحيث يُكمل كل حساب الآخر ولا يكرره، ويخاطب جمهوراً مختلفاً بأسلوب يتسق مع طبيعة دوره، فتتشكّل في النهاية منظومة اتصالية متكاملة أكبر من مجموع أجزائها. الحوكمة الإعلامية في عالم يتنافس فيه الجميع على الانتباه، لا تربح المؤسسات بكثرة حساباتها بل بوضوح هويتها الاتصالية وعمق ثقة جمهورها. وحساب المتحدث الرسمي ليس رفاهية اتصالية بل أداة استراتيجية حساسة تُحدد كيف تتحدث المؤسسة في لحظات القوة ولحظات الأزمة على حد سواء. وحين تضيع هويته في زحام المحتوى اليومي وتتداخل رسالته مع رسالة حساب الجهة، فإن المؤسسة لا تخسر منشوراً أو متابعاً، بل تخسر شيئاً أعمق وأثمن: صوتها الفريد الذي لا يُعوَّض حين تحتاجه أكثر ما تحتاجه. الحوكمة الإعلامية الرقمية ليست قيداً يُكبّل العمل، بل هي البنية التحتية التي يقوم عليها التأثير الحقيقي، والفارق في نهاية المطاف بين مؤسسة تُشكّل الرأي وأخرى تُضيف ضجيجاً إلى ضجيج. بادي البدراني