سمة هذا العصر الذي نعيشه اليوم صار الانفتاح الاتصالي بلا حدود والذي أصبح حقيقة مسلمة وواقعًا لا يمكن إنكاره، فقد تحوّلت وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات ثانوية في حياة الناس إلى منصّات رئيسة للتواصل، وتبادل المعلومات، وصياغة الرأي العام، إذ يصل عدد مستخدمي هذه المنصات إلى أكثر من 5.24 مليارات شخص حول العالم، أي نحو 63.9 % من سكان الكرة الأرضية، ويقضون ساعات يوميًا في التصفح والمشاركة والتفاعل. هذا الامتداد الهائل والوجود الرقمي الكبير أسهما في خروج الإعلام من قبضة المؤسسات التقليدية وتحويله إلى فضاء مفتوح يتحكم فيه الأفراد بكل سهولة، ما جعل المجتمع في مواجهة مستمرة مع محتوى لا يخضع دائمًا لضوابط دقة أو مصداقية، وسط هذا المشهد، تظهر أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية والإسلامية والأمانة والمصداقية كضرورة لا خيار لمحاربة الفوضى، ومساعدة المجتمعات على ارتكازها الذي لا غنى عنه. في هذا السياق، تشكل هذه القيم أساسًا متينًا يربط بين الفرد ومجتمعه، ويمنح التعاملات الاجتماعية ثقة واستقرارًا، الصدق، والأمانة والاحترام، ليست مجرد عبارات يتم تداولها في المناسبات، بل قواعد أساسية للتعامل الإنساني، سواء في الحياة اليومية أو في المعاملات الاقتصادية والسياسية والثقافية. عندما يلتزم الفرد بالمصداقية في قوله وفعله، تتشكل بيئة تُثمن الحق وتدفع نحو التعاون والتفاهم، وتكبح الشائعات والتضليل الذي قد يتفشّى في الفضاء الاتصالي الفوضوي، وغنيّ عن القول إن غياب الأمانة يسهم في تفكك العلاقات وتراجع الثقة بين الناس، بينما يقوّي وجودها الشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة. في مجتمعنا السعودي -ولله الحمد-، هذه القيم تنبع من جوهر المجتمع وثوابته الإسلامية العميقة، وتُعدّ جزءًا لا يتجزأ من هوية المواطن في التفاعل مع محيطه، يجمع الناس في هذا المجتمع على أن السلوكيات الأخلاقية ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع قوي ومتلاحم، فالمصداقية في العمل، والنزاهة في المعاملة، والالتزام بالأمانة في كل صغيرة وكبيرة، كل ذلك يُعزّز من التماسك الاجتماعي ويُسهم في التنمية المستدامة التي تسعى إليها رؤية المملكة. على الصعيد العالمي، أثبتت الدراسات أن المجتمعات التي ترتكز على النزاهة والمصداقية تحقق نتائج أقوى في النمو الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار النفسي لدى سكانها، فالثقة تُعدّ من أهم مؤشرات جودة الحياة؛ فمجتمع تتقلّص فيه الثقة بين أفراده أو بين المواطنين ومؤسساتهم يصبح أقل قدرة على مواجهة التحديات، أما حيث يسود الاحترام المتبادل والأمانة في التعامل، فإن معدلات السعادة والاستقرار تكون أعلى، ويتوسع دور المشاركة المجتمعية الفعالة في تحقيق أهداف مشتركة. وفي هذا الشهر الفضيل، يصبح الحديث عن القيم الأخلاقية ليس مجرد تذكير موسمي، بل دعوة للتجذّر والاستمرار، رمضان يعلمنا الصبر، والتضحية، وضبط النفس، والتفكير في الآخر، وتوجيه النيات نحو ما هو خير، إن هذه الدروس لا تنتهي مع غروب آخر ليلة منه، بل تحتاج إلى أن تُترجم إلى واقع عملي في العلاقات، وفي العمل، وفي كل تفاعل إنساني، إنها لحظة للتفكير في تأثير أفعالنا على من حولنا، وفي كيفية أن نكون قدوة صادقة ترفع شأن مجتمعنا محلّيًا وعالميًا.