نحن لسنا فصلا طارئا في رواية التاريخ، ولا بلدا وجد -بمحض الصدفة- أو الاكتشاف؛ بل نحن الأرض التي اصطفاها الله لتكون مهدا لأعظم رسالة عرفتها البشرية. فعلى ثراها أرسى خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- دعائم دولة العدل الأولى، فكان من الطبيعي أن يمتد ذلك العز التليد، وتتجدد دولة الأمجاد في ذات البقعة المباركة. وإن غصنا في أعماق الزمن، إلى ما قبل بزوغ فجر الإسلام، سنجد جذورنا ضاربة في صلب الجزيرة العربية؛ حيث استقر بنو حنيفة -أجداد حكام هذه الدولة- في اليمامة منذ مطلع القرن الخامس الميلادي. هناك، وعلى ضفاف الوادي الذي خلد اسمهم، أسسوا كيانا مركزيا في نجد، ليكون لاحقا جزءا أصيلا من كيان الدولة النبوية العظيم. ولأننا أصول ثابتة في التاريخ، فنحن حقيقة راسخة في الجغرافيا؛ إذ يخطئ من يظن أننا دولة حديثة بمقاييس القوى العالمية؛ فالحقيقة المذهلة أن الدولة السعودية كانت كيانا سياسيا قائما وراسخا عام 1727م، أي قبل استقلال الولاياتالمتحدة الأميركية 1776م بنصف قرن كامل -على سبيل المثال-. بل إن المفارقة التاريخية تزداد عمقا؛ ففي اللحظة التي كانت فيها القارة الأميركية تظهر على الخارطة -لأول مرة- عام 1492م، كانت الدولة الأموية تودّع الأندلس بعد سبعة قرون من السيادة والحضارة التي أشرقت من قلب هذه الجزيرة على يد أبنائها الأمويين القرشيين، الذين حملوا مشاعل النور وبذور الحضارة منذ عام 661م ونقلوها من ثرى هذا الوطن إلى أقاصي الأرض.. فمنذ أن عبر طارق بن زياد مضيقه عام 711م، كانت أنوار حضارتنا تضيء القارة الأوروبية، في وقتٍ كانت فيه أصقاع الأرض الأخرى تغط في سبات خارج حسابات التاريخ. ولو قدر لنور هذا المشرق أن يبلغ تلك القارات حينها، لنقل إليها عبقرية العرب وسماحة الإسلام التي انطلقت معالمها الأولى من موطننا الآمن.. "رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ".