تقدم لنا الكتب السماوية الإنسان الأول في صورة تختلف عن تلك التي يقدمها التاريخ وعلم الإنسان «الأنثروبولوجيا». فهو في كتب السماء قد خُلق في أحسن تقويم، وعاش شطراً من حياته في رحاب الجنة واعيًا كامل الوعي، تام العلم بما علمه المولى -عز وجل-. ثم هبط إلى الأرض ومعه من «ثمار الجنة» ومعرفة «صنعة كل شيء»، فأوى إلى أرض استطاع أن يستصلحها وينتفع بها. وفي مراجع التاريخ نقرأ عن حياة وصفات وأخلاق تختلف، بل تناقض تلك الصورة السامية؛ فهو في هذه المراجع فظ غليظ القلب، غريزي الطبع، لا عقل يهديه ولا حكمة ترشده، إنما هو وحش كاسر ينساق لحاجته. وهاتان الصورتان تبدوان -للوهلة الأولى- متناقضتين، وليس الأمر كذلك فليس ثمة خلاف في الواقع بين الدين والتاريخ، إذ بداية كل منهما غير بداية الآخر، ومبدأ الانطلاق بينهما غير واحد. إن كتب السماء حين تقدم لنا الإنسان الأول، إنما تعني «أول إنسان خلقه الله» فتتحدث عن كيفية خلقه ومكانته وتشريعه. والتاريخ لا يبدأ من هذا المنطلق، وإنما يكتب عما بعد ذلك بآلاف السنين. إن الإنسان الأول الذي خلقه الله هو آدم أبو البشر -عليه الصلاة والسلام-. والإنسان الأول في التاريخ وعلم الإنسان هو «مجموعة» من الأناسي التي عاشت في عصور لم يسبر غورها التاريخ، فيما قبل عهد الزراعة من عهود الصيد وجمع الغذاء. وإذا كان موضوعنا يتناول صيام البشر، فإن الديانات تمده برفد، ويمده التاريخ بآخر، ولنا من كل مصدر وحق آدم -عليه الصلاة والسلام- أن يكون أول الحديث. الصيام من البداية حتى الإسلام – د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية