هل يمكننا حقاً الادعاء أننا نقرأ، بينما تفرّ المعاني من بين أصابعنا كما يفر الرمل؟ ما يحدث اليوم في الفضاء الرقمي ليس قراءة بمعناها الوجودي، بل هو نهش بصري خاطف؛ حيث تمر النصوص أمام أعيننا كظلال عابرة على زجاج قطار منطلق، وتتحول المعرفة إلى جرعات مكثفة تبتلع على عجل دون أن تجد طريقا للمضغ أو الهضم. لقد استبدلنا سياحة الفكر بسياحة البصر، فأصبحنا نملك أكواما من المعلومات، لكننا نفتقر إلى أدنى درجات الفهم. كانت القراءة، في أصلها النبيل، تمرينا شاقا على التباطؤ، وعلاقة متوترة بين ذات تقرأ ونص يقاوم الانصياع. في تلك الأزمنة، كان القارئ يرتضي دور المرافق المتردد داخل متاهة المعنى، يمنح النص وقته وصبره، ويمنحه النص في المقابل الدهشة وخلق السرور. كانت القراءة طقسا لاستعادة الذات من ضجيج العالم، ومساحة تمنحنا حق التفكير مع الكاتب لا التفكير بدلا عنه، أما اليوم، فقد انكسر هذا الطقس تحت وطأة التمرير السريع؛ إذ استبدلنا دهشة الغوص بسطحية المتابعة، وتحولنا من رفقاء للنص إلى مجرد مستهلكين مشتتين يلهثون خلف التغريدة التالية، قبل أن يستقر معنى الأولى في أذهاننا. لماذا توارى القارئ خلف قناع السرعة؟ لعله لم يختفِ بالكامل، لكنه استُنزف وظيفيا؛ فلم يعد يملك ترف الوقوف عند هامش، أو سجل ملاحظة، أو الارتداد خطوة إلى الوراء لإعادة ترميم فهم جملة واحدة هزت وجدانه. لقد تخلى القارئ المعاصر عن سلطة التأمل لمصلحة وهم الإحاطة، وسرعان ما يتحول هذا التلقي المتسارع إلى نسيان مطبق، فلا النص يترك أثرا، ولا القارئ يحقق نموا. نحن نعيش في زمن المعرفة القابلة للتخلص، فالنص يُرمى بمجرد انتهاء التمريرة البصرية، ومع ذلك، تظل القراءة فعل مقاومة وجدانيا ضد هذا التفتت. تبرز قيمتها الكبرى في تلك اللحظات المنعزلة التي نغلق فيها ضجيج الشاشات لنفتح صمت الكتاب؛ لا بحثا عن معلومة عابرة تضاف إلى رصيد الذاكرة المؤقتة، بل استعادة لأنفسنا التي تنفلت منا في ضوضاء الحالة وتوحش الآلة. القراءة الصادقة هي العودة إلى الإنسانية في أبهى صورها؛ هي تلك الرغبة الفطرية في اكتشاف الحكاية وفهم الذات عبر الآخر. القارئ الغائب ليس ميتا، بل هو متعب تحت وطأة التنبيهات المتلاحقة، ويحتاج إلى من يذكّره أن العودة إلى الكتاب ليست تقديسا للماضي أو هروبا من العصر، بل هي استرداد لكرامة العقل، في عالم يقدس الاندفاع ويحتفي بالسرعة. * بصيرة: قد تكون القراءة أبطأ الطرق وصولا، لكنها -بلا شك- الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بالسراب، بل بالبصيرة. إننا بحاجة إلى استعادة القارئ من أجل إنقاذ الإنسان.