في قلب النفود تتشكل العبقرية العمرانية لتحيل المكان من صمته الأبدي إلى مكان ينبض بالحياة، فالمشروع الذي فكرت فيه زبيدة زوجة الرشيد هو أحد المشاريع الإنسانية العبقرية، وهو مشروع يتحدى قسوة الصحراء وجبروتها الذي يعتمد على فعل الزمن، فما يبدو مكتملًا ومستقرًا تحيله الصحراء بعد برهة من الزمن إلى أثر.. على أطراف النفود تبدو السماء صافية، فمنذ سنوات طويلة لم أتوقف لأرفع رأسي لأشاهد النجوم المعلقة في السماء، الليل حالك السواد، لكن تلك النجوم كانت تخفف من ذلك السواد وكأنها مصابيح بعيدة خجولة. لا يوجد شيء في الأفق فعلى مد البصر يتمدد المكان بالعتمة حيث لا أحد، تختلط الأرض بالسماء إلا من تلك النجوم البعيدة التي تجعل للمكان معنى وتصنع له دليل الحركة والاتجاه. بعد لحظات من التأمل لهذا المشهد الصامت، كنت متعبا فذهبت إلى مكان المبيت، وأنا أفكر في الصمت اللانهائي الذي يصنعه هذا المشهد الذي يجمع بين الأرض والسماء كل يوم وعبر آلاف السنين، فالصمت لا يعني عدم الحياة وعدم الشعور بالحركة القريبة، لا يعني عدم وجود حركة أوسع، فكل مكان يحمل داخله مكانا آخر لا يكشف عن أسراره إلا عندما يقترب منه الإنسان بشدة، لكن سرعان ما غرقت في النوم، فقد كان اليوم طويلا ومجهدا وعندما استيقظت كان الضوء قد غمر المكان، لكن الصمت لا يزال مهيمنا إلا من زقزقة بعض العصافير الشاردة، لكن المشهد برمته قد تغير، فالحدود بين السماء والأرض باتت واضحة والتمدد اللانهائي للمكان أصبح له حدود.. الصحراء الصامتة بدأت تدب فيها الحياة، غطاء أخضر خفيف يمتد فوق تضاريس عبقرية يصعب وصفها بالكلمات هو جزء من محمية الإمام تركي بن عبدالله التي تبلغ مساحتها 91500 كلم2، وتشكل إحدى المحميات الثمان التي تعمل على حماية الحياة الطبيعية في السعودية. عرفت من مضيفنا أننا نقيم في محمية الشمال للصيد وهي جزء من المحمية تتيح لهواة الصيد ممارسة هوايتهم بشكل مقنن ومنظم، لكن الأمر الذي لفت نظري هو أن هذه المحمية تحتوي على عدد لا بأس به من برك درب زبيدة الذي أنشأته زوجة هارون الرشيد واستمر البناء فيه طوال فترة العصر العباسي الذي امتد من القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الثالث عشر. سألت نفسي كيف يمكن لهذا السلسلة من البرك المائية التي تمثل أعجوبة إنسانية أن تمتد من الكوفة، جنوبالعراق، لتخترق هذه الصحراء الصامتة وتحط رحالها في مكةالمكرمة، وكيف صنعت حياة ودليلا للحجاج والتجار اهتدوا عبرها على طريق آمن شكل مفصلا حضاريا ربط العراق والعمق الآسيوي بكل المجتمعات في شمال الجزيرة العربية حتى الأراضي المقدسة. كانت الفكرة عبقرية، والتنفيذ ينم عن إصرار مذهل، وبقاء هذه البرك حتى اليوم، بعد مرور أكثر من 1000 عام على بناء بعضها دليل على الإتقان والإحسان في العمل، ومع ذلك كنت أتوقع أن تلك البرك عبارة عن آبار مطمورة وعلامات على الطريق فإذا بي أفاجأ بمنشآت ضخمة، خصوصا "بركة العشار" التي تقع في منطقة تسمى "التيسية"، وسط تشكيل تختلط فيه رمال النفود بالصخور التي تظهر رؤوسها عبر كثبان الرمال لتقول إن هذه المنطقة كانت جبلية في يوم ما. كيف استطاعت هذه البركة التي تعمل على اصطياد مياه الأمطار وتجميعها في حوض عملاق البقاء طوال ألف عام دون أن تطمرها الرمال الزاحفة التي لا يقف أمامها شيء؟ لم تكن الإجابة عن هذا السؤال المحير أمرا سهلا، فكثير من البرك طمرتها الرمال وأصبحت أثرا بعد عين، لكن بركة العشار، ذكرتني بالبرك العظيمة التي بناها الأغالبة في مدينة القيروان في تونس في القرن التاسع الميلادي فقد كان قطر أصغرها 37 مترا بينما بلغ قطر أكبرها 128 مترا، أعتقد أن بركة العشار بحجمها الكبير وقدرتها على المقاومة ربما تأثرت بالتقنيات التي طورها الأغالبة في ذلك الوقت، لأنها بنيت بعدها بسنوات طويلة. في قلب النفود تتشكل العبقرية العمرانية لتحيل المكان من صمته الأبدي إلى مكان ينبض بالحياة، البرك التي نشأت على درب زبيدة متقاربة، فبعد كيلومترات قليلة وفي منطقة العشار توجد بركة أخرى طمرت الرمال قاعها، لكن لا تزال حدودها واضحة ولا تزال القناة التي تجمع مياه الأمطار واضحة. ما يجعل المشروع الذي فكرت فيه زوجة الرشيد أحد المشاريع الإنسانية العبقرية هو أنه مشروع يتحدى قسوة الصحراء وجبروتها الذي يعتمد على فعل الزمن، فما يبدو مكتملا ومستقرا تحيله الصحراء بعد برهة من الزمن إلى أثر، فهدوؤها لا يعني أنها متوقفة عن الحركة. الصحراء صبورة بطيئة في عملها لكن تأثيرها أكيد. لقد مررنا قبل بركة العشار ببركة العريش التي تبقى منها جدار على شكل عقود لتؤكد مرة أخرى أن هذا الدرب كان معرضا للعمارة والجغرافيا وممرا للحياة على مدى قرون، فكل بركة كانت تحمل معها بذور المكان بمواده وطبيعته وتضاريسه. في طريقنا إلى بلدة "لينة"، كنت أشعر أن الصحراء تريد أن تقول لنا شيئا، لكن صمتها وغموضها لا يريد أن يفصح عما بداخلها. لينة تمثل مفتاح المحمية ونقطة الانطلاق إلى الصحراء، فهذه البلدة ممتدة في التاريخ وكأنها تجمع للقبائل من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبالعراق وممر للتجارة جمع تلك المجموعات البشرية.. قبل زيارتي، لم أكن أعلم عن هذه البلدة شيئا، رغم أنني كنت مسؤولا في يوم ما عن التراث العمراني الوطني، ورغم أن هذه البلدة يوجد بها تراث عمراني ليس بعيدا في الزمن لكنه جزء من ذاكرة المملكة، وذاكرة المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- الذي بنى له قصرا فيها عام 1353ه وزارها لمرة واحدة. كنت أفكر في كل هذا الزخم الثقافي والطبيعي الذي تحمله هذه المنطقة التي ربما لا يعرف عنها كثير من أبناء الوطن شيئا، وتذكرت في الوقت نفسه الفكرة التي أطلقها الأمير سلطان بن سلمان منذ سنوات طويلة وهي "عيش السعودية"، فقد كان سموه يتوق إلى أن كل مواطن يجب أن يتعرف على بلده ليس بالسمع أو المشاهدة بل بالمعيشة والتجربة.