يبدو أن هناك من يستبعد (النقد الثقافي) من الحُزمة النقدية، فلا يرى له وجود، وهذا ربما جاء بناء على شبه قناعة تحولت إلى قناعة عندما قرأ محتوى المقال السابق (النقد الثقافي الهش) بينما المقال لم يشر من قريب أو من بعيد إلى عدم وجوده، وإنما إلى فقدانه لهويته الأساسية التي ينطلق منها، وهي الثقافة، فالنقد الثقافي ينطلق من الثقافة لقراءة المشاهد المختلفة ويعتمد أدوات علم الاجتماع بفروعه المختلفة حسب المادة المدروسة من علم اجتماع أدب وعلم اجتماع إعلامي وعلم اجتماع الفن إلى بقية التخصصات الفرعية لعلم الاجتماع، وجميعها ترتكز على علم الاجتماع الثقافي الذي يسهب في شرح دلالات الثقافة ومعانيها وطبيعة تلقيها وفهمها وحالتها التطورية على مستوى المفردة والمصطلح والعناصر والوظائف والتأثير والتأثر. وليس هناك من غرابة في ظهور رؤى نقدية بين فترة وأخرى، فعلى سبيل المثال (النقد البيئي) الذي ظهر في الفترة القريبة الماضية في أوروبا وأمريكا وفي الأدبيات العربية نتيجة بروز الاهتمام بالبيئة، ودروج مفردة البيئة على نطاق واسع في مجالات عدة من حفاظ على البيئة، وتنمية مستدامة تضع المحافظة على البيئة بما تشمله من ثروات وثروات طبيعية إلى قضية التلوث البيئي. وعلى الرغم من وجود ما يشير إلى البيئة على مدى عمر الإنسان ونتاجه المعرفي والعلمي والأدبي، إلا أن ظهور النقد البيئي جاء استجابة لهذا التغير في النظرة الإنسانية لمفردة البيئة وتوسع واقعها التداولي وبالتالي حالات تلقيها والتفاعل معها، وهذا ينطبق على (النقد الثقافي) الأسبق إلى الظهور من النقد البيئي على حد علمي، وجاء هذا النقد بعد بروز مصطلح (الثقافة) وتشعب معانيها ودلالاتها. هذه الرؤى النقدية لا يلغي أي منها الآخر، وإنما يزيد من متانة الحزمة النقدية التي يظل (النقد الأدبي) عرابها والمشارك في صنع أدواتها، ولعل فكرة الدراسات البينية التي تدعو إليها وتتبناها كثير من الجامعات والمراكز البحثية في المملكة العربية السعودية، وقدمت من خلالها عدد من الدراسات الرصينة والمهمة والثرية التي خدمت عدد من التخصصات وطورت من آليات التعامل مع الدراسات والأبحاث والأوراق العلمية؛ هي الطريقة الأمثل للاستفادة الأقصى من الحالة النقدية التي تتواشج من خلالها المعارف والعلوم المتنوعة بما يجعل كل رؤية محفزة وداعمة ومغذية لغيرها في مرحلة لم يعد فيها فصل العلوم التام هو الحل الأمثل، وإنما أخذ بعضها من بعض ورفد بعضها لبعض، ويأتي النقد الثقافي ليكون ضمن هذه الحزمة، وربما يكون أصعبها وأكثرها استنزافاً لطاقة الباحث ووقته لما يحتاجه من إلمام واسع ومتابعة متصلة لكل ما يطرح من مواد معرفية وعلمية مرتبطة بالثقافة وعناصرها المتعددة قدر الإمكان، وهذا دليل من جهة أخرى على أهمية النقد الثقافي المحورية، وفائدته المتعدية إلى غيره من نقد أدبي وبيئي وفني واجتماعي..، وبذلك يكون النقد الثقافي الممكن أو الأسهل في الممارسة؛ نقداً يستطيع أن يكون في حالة (مقبولة) على الأقل من الوضوح والانتماء وبروز هويته ومرجعيته رغم ما يشوبه من ضعف، وما عدا ذلك فلا يمكن أن يسمى نقداً ثقافياً، وسيظل عائم الهوية ومشوش الملامح.