يتداخل الفن والدين والروحانيات لتعزيز التجربة الإنسانية، حيث يعتبر الفن تجلياً لإلهام الروح ووسيلة لإرثاء القيم، ووسيلة لتجسيد الروحانيات والوقوف في مواجهة النظرة المادية، واعلاء "اللامرئي" على "المرئي" ليتلازم الفن والدين بعلاقة عضوية فاعلة حيوية فكليهما يتعامل مع الرمزي في الحياة والمطلق، لتصدير تجربة روحية يبحث فيها الفنان عن المطلق، وينشد الأخلاق والخير -حيث يرنو الفن للوصول إلى المنتهى وليس المرئي، في تداخل يشكل نسيج من المعاني والإلهام، وجوهرية ترتكز في استكشاف المقدس من خلال التعبير البصري، ليتجسد بذلك الفن كقوة حقيقية للروح-وقدرة على تجاوز المادي بغرض التواصل مع المتلقي على مستوى شخصي عميق. ليأتي تشخيص عناصر من الاحتفالات والرموز الدينية، كإرث معرفي إثرائي ليشحذ مصادر الالهام النابضة، ويشكل في تماس توجيه رؤية الفنان وتفضيلاته ومعالجاته والتأثير على أنساقه الفكرية والجمالية، ويصبح الفنان قناة للرؤى والإلهامات الروحية، لتعضيد أحاسيس متسامية ومعانٍ نابضة، خلال أطروحات تستمد مفهومها من الشعائر والروحانيات، فى توحد وانسجام روحانى يتوازى مع نسق معبأ بقيم شموليه مكثفة، تفعل الحسي الوجداني. ففي مغناطيسية "أحمد ماطر" يقدم الفنان عملاً معبأً بالمعاني والأفكار ومؤسس على توظيف التقنيات المستحدثة واسترداف روح العلوم داخل بنية الفن، في تجهيز على أرضية بيضاء عبارة عن مجسم مغناطيسي أسود صغير يمثل الكعبة المشرفة، ويتم تدويره لتتشكل وتتحرك حوله آلاف الجسيمات الحديدية الصغيرة في حركة وهالة دائرية ديمومة تمثل محاكاة "الطواف حول الكعبة"، ويأتي التوازن بين الأسود في المكعب مع الدائرة البيضاء حوله لتعكس حالة من التوتر الحركي بين الجذب والتنافر كما تذكرنا الجاذبية المغناطيسية في الجسيمات الدوارة في الكعبة بتلك الجاذبية الموجودة في مدارات الكواكب والإلكترونات من ناحية-واقتران التفاصيل الدقيقة للتجهيز الفني وحركته الدينامية التي تمثل معادلاً استحضارياً لفكرة توازن الكون بين قوى متضادة مثل (النور والظلام -الليل والنهار-التجاذب والتنافر) والتي تتناغم جميعها في نظام كوني واحد متسق. وإبداع الأيقوني الدكتور "فؤاد مغربل" أعمال فنية مؤسسة على حداثة بصرية متفردة تحتضن عبق التاريخ وأصالة المعاصر، واكتساء بهوية عناصر تصدح بأصالة المفهوم وعاطفية التأثير، وتدلل على ذاته وعن مشاعره واستبصاراته الإبداعية، ليغلف كل ما هو مألوف واقعي، بغلاف ونسيج من الصوفية والروحانية، لتلمس المنتهى (وتفعيل الحسي الوجداني، وليس البصري ذو النسخ السطحي للمرئيات) وتصدير صياغات بصرية مشبعة بمشاعر وصدق الفنان وخبراته الأكاديمية ليبقي الفنان على تكويناته متماسكة، لتحقيق توازن العلاقات بشكل أصيل دال، وتشكيل تلك اللغة التخيلية بالخطوط والمساحات، وتلوينها بفيض عاطفته وحدسه وذاكرته الأيقونية، وتركيز المجموعات اللونية القوية في مناطق، والارتكال للتباين الحاد بين المعتم والمضيء"عبر شدات ودرجات تشبع ترسم ما وراء البصري، ليدفع من خلالها المتلقي للولوج لعوالم تنتقل فيها العناصر والصيغ لأفكاره عن الإنسانية والمشاعر وروحانية الطقس والآفاق الرحبة للتفكير التأليفي المتناغم، الأمر الذي يغير من وجود نغمة سائدة ومتعارف عليها بصرياً، ويكسب تلك الأعمال حيوية دينامية تبث إشارات وأصداء بصرية نابضة، عبر تطبيقات وتوزيع العائلات اللونية المصدرة للبهجة وهوية الموروث. وفي حوارية تؤسس ديناميكية شكلانية لا تكتفي بالتسجيل المرئي لكينونات المحيط، أتت التأليفات الفنية للمبدع "سمير الدهام" لتصدح بعوالم لونية روحانية تتحدي الجمود، عبر النحو عن تمثيل المرئي التدويني، والارتكال لعمليات التلخيص الذهني والتجريدات التعبيرية، وإخفاء بعض التفاصيل الزائدة، واختزل التفصيليات ببلاغة تنعطف نحو تعزيز رسالة المحتوى الداخلي للعمل، لعناصر تعكس خصوصية وجمالية الإرث السعودي المكين تحمل في ذاتها البصرية قيماً استطيقية من طبيعة تجريدية خالصة (من بيئات معمارية، وشخوص، ونباتات، وعناصر حروفية، وطيور محلقة وشموس) تنطلق من الضمني والمعني والروحاني وطاقية اللون-في كل متكامل يتكئ علي الخطوط الصارمة والمنسابة والمجموعات اللونية كمتواليات نسقية لبنائيات وصياغة أشروحاته الفنية المعززة بالفعل الحركي الراديكالي، والتآلف المتناغم بين المساحات والخطط اللونية لصالح القوة التعبيرية للألوان، عبر شدات وكنه ودرجات تشبع لوني ترسم ما وراء البصرى السحري الجاذب. فطرق "الدهام" درباً حداثياً لاكتشاف الحداثي، والدفع بمنهجية مختلفة تطرح إعادة صياغات وتصورات غير اتباعية، تتفاعل من خلالها(الخطوط، والاشكال، والألوان، والتأثيرات الملمسية والظلية) لتأطير الضمني والمعني والروحاني الذي يسكن داخل عناصره، فأعماله هي شكل سرمدي دينامي حالم يؤطر المشاعر والأحاسيس ويعلي من طاقات التعبي، عبر تشكيل أنساق تعلو بالأفكار والاسترسال في تعميق الحسي، وتطوير أسلوبيات وتنويعات وجدانية ذات جذور ديموغرافية قام فيها الفنان بتنويع التراكات الموسيقية والنغمات البصرية، التي تصدح بنغمات متعددة كأوركسترا اوبرالي لا ينفرد بنغمه سائدة متعارف عليها سمعيا وبصرياً، بما يبث الروحانية في أجواء العمل لنسج تلميحات مفاهيمية وتعبير حدسي يترجم تأملاته الصوفية في عناصر موروثة ذات الهوية، ومعادلتها بدرجات لونية ونقلات سيموطيقية، وتدفق يتحدي الجمود، لتصدير التناغم والحضور الجمالي عبر طاقة حيوية صيرورة. وجاءت تركيبات الأميرة "ريم الفيصل" كمعادل لتجسيد النور، والكتابة بالضياء وحالة الإنسان في تأرجحه كونياً بين الظل والنور وهارمونية اختزالية تنحو عن الثرثرة التي تعيق تصدير الرسائل وتحتفي بتعاظم مساحات النور على مساحات الظل، والتأكيد على الجاذبية في صياغة التكوين وتوزيع الفاتح الغامق، والدفع بمناطق الإضاءة المباغتة وغير المرتقبة (شديدة السطوع) من مصادرها المفاجئة داخل الأجواء المظلمة والأقل استنارة، كنوع من الإثارة الفنية والحداثية لدى المتلقي، وإبراز عناصر محددة. وعبر تدفق منهمر وملكات روحية ووجدانية، ارتكل الفنان "إبراهيم بوقس" لروحانية المعاني والمشاعر عبر تحرير منهجه الفكري من المحاكاة والتدوين، والانحياز لرؤية ومنهج فني خاص يظهر أعماق الشكل وحقيقته الجوهرية منطلقا من موضوعات لخصائص وسمات زمكانية تعضد "الهوية" وفق دلالات جمالية وتعبيرية انبرت في عالمه الفريد وأجوائه الأسطورية الروحانية التي تتزين بالعناصر والمفردات التراثية بأسلوبية تعلي الهوية والمشاعر، لتكتسي تأليفاته الفنية بنسمات وأجواء روحانية نقية، وصيغة شعرية موسيقية حالمة نسجها التعبير الصادق والسعي في توحد وانسجام روحانى لتدشين عوالم لونيه ايقاعيه خاصة متفردة، يفجر الفنان من خلالها طاقاته الإبداعية وتصوراته الشعرية، وتتبدل لمسات الفرشاة لديه لتجسيد تمثيلات حالمة تدعمها انحياز الي سيكولوجية توظيف المخططات اللونية