أصبحت الساحات النقاشية في منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة "تويتر"، جزءًا لا يتجزأ من المشهد العقاري في المملكة العربية السعودية. ففيها تُناقش أسعار العقارات، وتُنتقد التشريعات، وتُطرح التوقعات، ويتشكل وعي شريحة واسعة من المتعاملين في السوق، من مستثمرين ومطورين ومستخدمين نهائيين. غير أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس ماذا يُقال، بل من الذي يتحدث؟ وعلى أي أساس؟ من هذا المنطلق، جاء الاستبيان الذي أُجري لقياس خلفية المتحدثين في الساحات العقارية ومدى شمولية إجاباتهم للقضايا المطروحة. وقد أظهرت نتائجه بوضوح أن الغالبية العظمى من الطرح العقاري المتداول يستند إما إلى الخبرة العملية غير المؤطرة علميًا، أو إلى اجتهادات شخصية، بينما تمثل الخلفية العلمية المتخصصة والمرخصة نسبة محدودة جدًا من المشهد العام. لا شك أن الخبرة عنصر مهم في أي سوق، والعقار ليس استثناءً. إلا أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى بديل كامل عن التأصيل العلمي، أو عندما تُقدَّم التجربة الفردية على أنها قاعدة عامة صالحة للتعميم. فالسوق العقاري بطبيعته سوق مركب، تتداخل فيه عوامل اقتصادية وتشريعية وتمويلية وسلوكية. وتزداد خطورة هذا الأمر عندما يكون المتلقي غير المتخصص عاجزًا عن التمييز بين الرأي المهني المؤسس، والاجتهاد الشخصي، والتحليل غير المرتبط بسياق علمي أو نظامي. فقرارات الاستثمار العقاري لا تُبنى على حسن النية، بل على دقة المعلومة وجودة التحليل. كما أظهرت النتائج أن نسبة غير قليلة من المشاركين في الساحات ليست لهم علاقة مباشرة بالمجال العقاري، أو يمارسونه بشكل جزئي إلى جانب أعمال أخرى. وهو أمر لا يُنتقص منه، لكنه يصبح إشكاليًا عندما يُقدَّم الرأي على أنه رأي متخصص. إن ما نحتاجه اليوم ليس تقييدًا للنقاش أو إقصاءً للأصوات، بل رفع مستوى الوعي لدى المتلقي، وتعزيز ثقافة السؤال عن مصدر المعلومة وخلفية من يقدمها. ومع ما تشهده المملكة من نضوج متسارع في السوق العقاري، وانفتاح على الاستثمار المحلي والأجنبي في ظل رؤية 2030، فإن الاحترافية لم تعد خيارًا، بل ضرورة. والتخصص، المدعوم بالتأهيل العلمي والخبرة العملية، سيكون هو الفيصل في بناء الثقة واستدامة السوق. في النهاية، يبقى القرار بيد المتلقي، لكن مسؤوليته تبدأ من وعيه بمن يستمع إليه.