في كل مجال من مجالات المعرفة، يظل الاختلاف في الرأي أمرًا طبيعيًا، بل وصحيًا أحيانًا، ما دام يدور بين أصحاب الاختصاص. فالاختلاف، كما يُقال، لا يفسد للود قضية. غير أن الإشكالية تبدأ حين تختلط الأصوات، ويعلو رأي المجتهد غير المتخصص على صوت الخبير، أو حين ينظر المختص إلى الموضوع من زاوية ضيقة بحكم تخصصه الدقيق، فتغيب عنه الصورة الكاملة. وفي أحيان أخرى، قد لا يكون الرأي نابعًا من قراءة موضوعية بقدر ما هو مسخَّر لخدمة هدف أو نتيجة محددة سلفًا، فتُنتقى الحقائق وتُفسَّر الاجتهادات للوصول إلى تلك النتيجة بعينها. هذا المشهد يتكرر بوضوح في المجال العقاري، الذي أصبح في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة للتحليل والتوقع، بل موجة سهلة لركوب "رياضة التحليل العقاري" إن صح التعبير. فما إن تصدر جهة رسمية بيانًا أو تعلن رقمًا، حتى تتدفق مئات التحليلات والآراء، بعضها صادر عن مختصين وهم قلة، وأكثرها عن مجتهدين يشكّلون الأغلبية. ووسط هذا الضجيج، يضيع صوت المتخصص الحقيقي، ويتشكل ما يمكن وصفه ب"التلوث التحليلي"، شبيهًا بالتشوه البصري، الذي يحجب الرؤية عن المحاور الأساسية التي ينبغي التوقف عندها بعناية لتكوين تصور سليم عن الواقع. وقد تجلى هذا المشهد بوضوح عند صدور بيانات معدلات الإقراض للتمويل العقاري، التي أظهرت انخفاضًا في شهر يوليو 2021 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق بنسبة بلغت 43 %. هنا بدأت موجة جديدة من التفسيرات والتوقعات، شارك فيها الجميع بلا استثناء. ومن حق الجميع إبداء الرأي، لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: كيف يمكن تنقية هذا الكم من الآراء للوصول إلى معلومة مستقبلية محتملة؟ وكيف يمكن بناء توجه أو قرار عقلاني ومنطقي تجاه التمويل العقاري؟ هنا تحديدًا تظهر "المعادلة الصعبة". لفهم هذه المعادلة، لا بد أولًا من إدراك أن السوق العقاري في المملكة العربية السعودية لم يعد كما كان. فقد شهد تحولات جذرية، خصوصًا من الناحية التشريعية والتنظيمية. ويكفي أن نشير إلى عامي 2011 و2015 باعتبارهما نقطتين مفصليتين في إعادة تشكيل المنظومة العقارية. فالأنظمة والتشريعات ليست مجرد إطار تنظيمي، بل هي المحرك الأقوى لأي تغيير جذري أو تفصيلي أو تنفيذي في أي قطاع. ولهذا تُعد الأنظمة والتشريعات العنصر الأول، والأكثر تأثيرًا، في هذه المعادلة. غير أن قراءة هذا العنصر وحده لا تكفي. فالمعادلة لا تُفهم إلا بتكوين عناصرها أولًا، ثم تحليل كل عنصر على حدة، ثم تفكيك آراء المختصين، ومقارنتها باجتهادات غيرهم، قبل إسقاط النتائج للوصول إلى نقطة الانطلاق الصحيحة. انطلاقًا من هذا الأساس، يظهر العنصر الثاني: مصادر البيانات والمعلومات. فالقطاع العقاري مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالجهات التنظيمية والتشريعية، لكن هناك أيضًا جهات حكومية أخرى متداخلة في صناعة المشهد، مثل وزارة العدل، والهيئة العامة للإحصاء، ووزارة المالية، والبنك المركزي. إلى جانب ذلك، تلعب الشركات المالية، وشركات الدراسات المتخصصة، والشركات المهنية، ومزودو الخدمات العقارية دورًا مهمًا في إنتاج المعلومات وتحليلها، كلٌّ من زاوية رؤيته، وبناءً على ما يصدر عن الجهات الرسمية. أما العنصر الثالث، فهو السوق نفسه، بما يحمله من تفاعلات يومية يراها الجميع. هنا تتداخل العوامل الاقتصادية الكلية والجزئية، والجهات التمويلية، والاستثمار، والتسويق، والبناء والتشييد، والتطوير العقاري، وشركات التقييم، وغيرها من الأنشطة. وحتى المحللون، سواء كانوا مختصين أو مجتهدين، يصبحون جزءًا من هذا العنصر، بما يطرحونه من رؤى وتوقعات. ويبقى العنصر الرابع، وربما الأهم: المستفيد. فجميع العناصر السابقة تعمل في نهاية المطاف للوصول إليه. وهو ليس مجرد متلقٍ للنتائج، بل يمثل أحيانًا تغذية راجعة تؤثر في النظام بأكمله. فالمستفيد، كمواطن أو مستثمر أو طالب سكن، قد يكون عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل السياسات والأنظمة، وهو ما يظهر في حرص الجهات الحكومية على طرح مشاريع الأنظمة واللوائح لإبداء الرأي، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. هذه العناصر الأربعة -الأنظمة والتشريعات، مصادر البيانات والمعلومات، السوق، والمستفيد- تشكل مكونات المعادلة الصعبة. وهي ليست معادلة رياضية بعلامات وإشارات ثابتة، بل معادلة هرمية تتغير فيها العلاقات والتأثيرات باستمرار، بينما تبقى عناصرها ثابتة. فلا يمكن الوصول إلى نتيجة متزنة إلا بعد نضوج هذه العناصر جميعًا، وعندها فقط يمكن الحديث عن "المعادلة المثلى" لاتخاذ القرار. ومن هنا، فإن الحكم على مستقبل العقار اعتمادًا على مؤشر واحد فقط، كبيانات التمويل مثلًا، يعد خللًا في فهم المعادلة. فالعقار بطبيعته سلعة قوية، لا تتأثر بشكل حاد إلا في ظروف استثنائية خارجة عن المألوف. وأي قراءة قاصرة تتجاهل بقية العناصر، إنما تبتعد عن التوازن والمنطق. في الختام، تبقى المعادلة صعبة بالفعل. لكن المتخصصين الحقيقيين، كلٌّ في مجاله، يسعون إلى تفكيكها بهدوء، للوصول إلى رأي متزن ومنطقي، لا إلى رأي يُضخَّم حتى يتحول إلى كرة ثلج يتسلقها المجتهدون. فالفهم العميق، لا الضجيج، هو الطريق الأقصر إلى القرار الصحيح.