تضمّن كتاب (الأمثال الشعبية من قلب الجزيرة العربية) ما يزيد على تسعة آلاف مثل شعبي، اجتهد الشيخ عبدالكريم الجهيمان (ت 2011م) -رحمه الله- في تدوينها وترتيبها وشرحها، كما تحمّل مسؤولية الباحث الجاد في الدفاع عن حقها في التدوين والحياة، ثم نشرها بوصفها جزءاً من تراثنا الذي يجب الحفاظ عليه، ولا ينبغي إهماله مهما كانت المبررات. والحقيقة أن جهده العظيم جدير بمواصلة التذكير به والعودة للكتابة عن جوانب الإبداع والتميز فيه. من سمات الجمال الجاذبة في أمثالنا الشعبية إضافة إلى الإيجاز والبلاغة سمة السخرية والتهكم، وهي سمة حاضرة في أمثال مختلف مناطق السعودية وسبق أن أشرت إلى حضورها عندما كتبت عن عدد من مدونات الأمثال. فالمثل الشعبي كثيراً ما يُصاغ بحس ساخر لكي يزداد تأثيره في نقد النماذج الإنسانية التي تمارس سلوكاً خاطئاً أو سيئاً يتعارض مع قيم المجتمع العليا، أو ليُعزِّز تلك القيم الإيجابية ويؤكدها في نفوس أفراد المجتمع. من بين الأمثال الشعبية المدونة عند الجهيمان وتبدو فيها نبرة السخرية قولهم: «يعطيه لقمه ويلمس سنامه»، أي أنه كالذي يُطعم بعيره لقمةً ثم يُبادر للمس سنامه متوقعاً أن يرى أثر هذه اللقمة فوراً. ويُضرب المثل في وصف حال المتسرّع الذي يترقّب النتائج قبل وقتها. وعندما يلومك شخصٌ على عدم الاعتماد عليه في مُهمّة معنية فمن الأمثال المناسبة للرد عليه المثل القائل: «تسمن يا خريّفنا ونجسِّك»، وخريّف تصغير خروف، ونجسك أي سوف «نتجسس مواطن السِمن فيك»، والمقصود عليك الاستعداد لأننا سنحتاج لك في الأيام القادمة وسنرى ما يمكنك عمله. ومؤكد أن صيغة التصغير «خريّفنا» ساهمت في تعميق نبرة التهكم في هذا المثل. وحين يغالط الشخص بنفي حدوث شيء لكن كلامه يُثبت حدوثه من جهة أخرى يقولون في المثل الشعبي: «ما ذِبحوا مير شِققت بطونهم»، أي أنهم لم يقتلوا ولكن مُزّقت أحشاؤهم؛ وبالتالي لا بد أن يكون مصيرهم الحتمي هو الهلاك. ويضربون مثل: «وخذوا ربعه وهو يتحزّم» لبطيء الحركة الكسول الذي لا ينجز العمل إلا بعد فوات الأوان، فهو كمن انتهى الأعداء من نهب قومه وهو ما زال يربط حزام الطلقات النارية على وسطه استعداداً لخوض المعركة. ومن أمثالهم فيمن يرى في نفسه شيئاً لا يراه الناس فيه: «الخِنفسة تخاف من العين»، فالخنفساء المسكينة ترى في نفسها من الجمال ما لا يراه الآخرون. ومن المتعسّر في بعض الأحيان إدراك ما تنطوي عليه بعض الأمثال الشعبية من سخرية إلا بعد قراءة شرح المؤلف لها، ومنها المثل الشعبي: «عرس نزهة ونزهان»، إذ بيّن الجهيمان بأن «نزهة ونزهان لقبان للكلب والكلبة»، وأن المثل يُضرب لوصف بعض العلاقات التي تقوم على مصالح ومآرب مشتركة يمكن أن تنتهي سريعاً، ولا يرتبط أطراف العلاقة بأي عقود أو التزامات أو قيود. فالزواج بين نزهة ونزهان يكون «بطريق الصدفة ثم إنه ينتهي أيضاً بطريق الصدفة». ختاماً يمكننا ملاحظة غياب سبك الأمثال المذكورة في قالب مسجوع، مع أنّ عنصر السجع يمثل حضوره أهمية بالغة في صياغة أغلب الأمثال لضمان سهولة حفظها وشيوعها، ولعل علو نبرة التهكم والسخرية قلّل من أهمية الاهتمام بالتنغيم والسجع في تركيب المثل.