في تصورنا أن المسجد يرتكز على مجموعة مفاهيم فلسفية تكمل بعضها البعض، وجميعها تنطلق من كون هذا المبنى وجد للناس ومن أجلهم كي يساعدهم على خلق المنهج الاجتماعي الملائم لهم وعلى مستويات متعددة تبدأ من المجموعة البشرية المتقاربة سكنيًا وتنتهي بالبشرية جمعاء.. منذ فترة طويلة وأنا يراودني سؤال حول أن الإسلام هو للناس كافة فعند التمعن في الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمُون" (سبأ: 28) سنصل إلى قناعة مفادها أنه طالما أن الرسول بُعث للناس كافة فهذا يعني بالضرورة أن هناك أدوات فلسفية ومادية تساهم بشكل أو بآخر في تحقيق هذه الرسالة الواضحة. وبما أنني مهتم بعمارة المسجد على وجه الخصوص وتنوعه العالمي، توصلت إلى قناعة أنه يمثل الهوية الثقافية والمكانية للإسلام كونه كذلك مكانا لكل الناس. لطالما كانت فكرة "الدعوة الصامتة" التي يؤديها مبنى المسجد وعمارته جزءا من الرسالة الأوسع التي تتجاوز مجرد التعبير البصري عن المعاني الكامنة التي يمكن أن يقرأها الآخر عندما يرى المسجد بتواضعه وهدوئه. بصفته دعوة صامتة يرتبط المسجد برباط جوهري مع فلسفة "كافة للناس"، فتبليغ الرسالة ليس بالضرورة أن يكون لفظيا، بل قد يكون بصريا/ رمزيا من خلال المبنى وما يحيط به وثقافة استخدامه، فالمعاني الكامنة التي عادة ما تولدها الأشكال المعمارية تشير بشكل أو بآخر إلى الأهداف التي نشأت من أجلها تلك الأشكال، ولا بد أن تثير الأسئلة حول تلك الأشكال وتدفع بمن يشاهدها إلى البحث عن مغزاها. كل هذه الأسئلة جعلتنا نفكر في الكيفية التي يمكن أن تجعل عمارة المسجد رسالة حية ومتجددة تدعو بصمت إلى اكتشاف الإسلام، خصوصا في عالم اليوم الذي تتقارب فيه الثقافات وتتصادم بشدة. تثير هذه الفكرة الأسئلة حول قدرة هذا المبنى، الذي ينتشر بسرعة في كل مكان في العالم، على الاندماج في الثقافات المحلية، ومرونته العالية في التعبير عن تلك الثقافات من خلال توظيف نفس الأشكال التي تطورت محليا، فهو مبنى لم يحاول فرض هيمنته عليها ولم يحاول أن يجعلها تستجيب لحضوره الطاغي، رغم احتفاظه الصارم بوظيفته وبجيناته الكونية. هذه الخاصية على وجه الخصوص جعلتنا نفكر في السر الذي ولد هذه القدرة التي امتدت على مدى قرون ومازالت حاضرة بقوة إلى اليوم، ووجدنا أن عمارة المسجد مرتبطة بالناس، وتنظم حياتهم اليومية، وهذا الارتباط ليس هامشيا بل هو ارتباط يجعل المسجد في ذاكرة المجتمع بشكل دائم ويساهم في خلق التناغم والانسجام بينهم. لكن إذا ما اعتبرنا "كافة للناس" مصطلحا يعبر عن أحد الجوانب الفلسفية للمسجد سوف نجد أن هذا المصطلح يتجاوز مفهوم المجتمع المسلم الصغير ليخلق مفهوم الأمة الذي لا يقف عند البعد المادي العمراني، لأن مفهوم الأمة يشير إلى معنى اصطلاحي يتجاوز الرابطة المكانية إلى توافق الاعتقاد وأساليب التفكير، وهو ما يعني أن المسجد بصفته المادية يمكن أن يجسد المعنى التجريدي للأمة، وهذا يجعله مبنى يعبر عن المفهوم الأوسع الذي أشارت إليه الآية الكريمة. نجد هنا صلة وجودية بين مفهومي "الأمة" و"لتعارفوا" كون الأمة لا تتحقق إلا من خلال التعارف، وإذا ما توسعنا قليلا وأضفنا مصطلح "كافة للناس" سوف نشعر باللا حدود التي يصنعها المسجد، فبهذا المعنى يشمل مفهوم الأمة كل الناس، والدعوة الصامتة هنا دعوة للدخول في مفهوم "الأمة" التي هي كل البشرية. يثير هذا التصور كثيرا من الأفكار حول الغاية التي من أجلها وجد المسجد، فالأرض كلها مسجد، وهذه خاصية، لم تكن اعتباطية، بل هي مرتبطة برباط مشيمي بكون الصلاة تؤدى في وقتها، وأن الإسلام للناس كافة، وهذا يجعلنا نُفرق بين كون المسجد مبنى ماديا وبين كونه مكانا مجازيا. عندما يكون هناك اتجاه (القبلة) يتجسد المسجد مكانيا، فهو يخلق المكان الدائم والإشارة البصرية التي تصنع بالضرورة الرابطة المكانية المتجددة، وعنما يكون مكانا مجازيا عابرا (فكرة)، فإن الرابطة تكون مؤقتة تخلقها ضرورة أداة الصلاة في وقتها، لكن كلا المكانين يملكان قدرة مدهشة على تبليغ الدعوة الصامتة. لكن المكان المجازي يعمل كذلك على خلق ما يمكن أن نسميه "الذاكرة الدائمة للمسجد" وهي ذاكرة لا تتطلب حضور صورة معينة في الذهن، بل آلاف الصور التي تعبر عن فكرة "المسجد"، فهذا المبنى هو فكرة في الأصل تحمل صورا لا نهائية. في نفس الوقت هذه الذاكرة تعيدنا بقوة إلى المنهج الاجتماعي الخلاق الذي يصنعه المسجد فهو يبني المجتمع من القواعد من خلال بناء المجتمعات المحلية الصغيرة وينطلق إلى بناء المجتمع الكوني الذي يُعبر عن "كافة للناس"، حيث تكون الصلات بين البشر من خلال اجتماعهم على فكرة المسجد المجازية التي لا تتجسد في صورة بعينها. في تصورنا أن المسجد يرتكز على مجموعة مفاهيم فلسفية تكمل بعضها البعض، وجميعها تنطلق من كون هذا المبنى وجد للناس ومن أجلهم كي يساعدهم على خلق المنهج الاجتماعي الملائم لهم وعلى مستويات متعددة تبدأ من المجموعة البشرية المتقاربة سكنيا وتنتهي بالبشرية جمعاء، ولكل مستوى يُشكل المفهوم الفلسفي ليخلق منهج التفكير الذي يجعل من المسجد مركز أساس يعبر عن "الانتماء". فمصطلح "لتعارفوا" يمثل البداية التي تركبت حولها المجتمعات البشرية، لكن هذا المصطلح يُفهم في بعده المحلي بشكل أعمق فهو يساهم في صناعة المجتمع المحلي ويظهر المسجد هنا بصفته المادية كمركز تنمو حوله الرابطة المكانية التي عادة ما تحتاجها المجتمعات البشرية.. لكن في بعده الكوني يعيد البشر إلى الأصل ويذكرهم بانحدارهم من سلالة واحدة عندما كانوا مجرد ذكر وأنثى.