ليس كل تماسٍّ إدراكًا، ولا كل اقترابٍ وصولًا. فاليد قد تبلغ الصفحة، ولا يبلغ القلب الخطاب. ومن هنا يبدأ الجواب عن سؤال خُتم به الجزء الأول، من يملك قابلية النفاذ والاختراق؟ بهذا السؤال يتقدّم النظر إلى الموضع الذي يَرِد فيه لفظ المسّ متصلًا بالقرآن الكريم ذاته، في قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) الواقعة: 79 لا نتحدث هنا عن حكم فقهيّ يتصل بالمناولة أو الإجراء، فذلك مبحث له أدلته ومسالكه. وإنما عن سياق مقام لغوي، يتجه إلى دلالة اللفظ وغرض اختياره، وإلى ما يفتحه من أفق في فهم طبيعة العلاقة بين النص ومتلقّيه. فالكلام عن قرآن كريم، كتاب مكنون، إذن عن صيانة معنوية تُقدَّم قبل أي تماسّ حسي. في هذا السياق، لا يعود المسّ فعلًا يصف حركة اليد، وإنما دلالة تشير إلى وصول مخصوص، وإلى نفاذٍ لا يتحقق إلا مع قابلية داخلية. فاليد قد تلامس، غير أن النفاذ شأن آخر، يتصل بالوعي والاستعداد والإصغاء. وإذا استُحضر الاستعمال القرآني للمسّ، كما تبيّن في الجزء الأول، أمكن فهم هذا الموضع على نحو أعمق؛ فالمسّ حيثما ورد ارتبط بالأثر، وبما يصيب الداخل ويحرّكه. ومن ثمّ، فإن إسناده إلى القرآن في هذا السياق يدل على أن العلاقة المطلوبة ليست علاقة مجاورة، وإنما علاقة تلقٍّ يُحدث أثرًا. أما المطهَّرون، فدلالتهم هنا لا تقف عند وصف ظاهر، وإنما تمتد إلى معنى التهيؤ والاستعداد. الطهارة في هذا المقام طهارة قابلية، وصفاء استقبال، وانفتاح على خطاب لا ينكشف لمن يكتفي بالاقتراب الخارجي. إنها طهارة تجعل النفاذ ممكنًا، وتجعل الأثر واقعًا. ومن هذا المنظور، يتمايز اللمس عن المسّ تمايزًا حاسمًا. اللمس يثبت القرب، والمسّ يحقق الوصول. اللمس فعل مجاورة، والمسّ فعل اختراق. وبينهما مسافة تُقاس بالأثر الذي يتركه النص في الوعي وليس بالحركة ذاتها. ولهذا يمكن أن يُلمس المصحف دون أن يُمسّ القرآن، كما يمكن أن يُمسّ القرآن دون أن تُلمس صفحاته. فالعلاقة هنا تُبنى على النفاذ وحضور المعنى، لا على التماسّ والحضور الجسدي. وعند هذا الحد، تتكشف حكمة اللفظ القرآني. فاختيار المسّ يكشف عن تعبير دقيق عن طبيعة العلاقة التي يريدها القرآن مع قارئه. علاقة تقوم على الاختراق وتحقيق الأثر لا المجاورة وإثبات الحركة. وهكذا، تفتح الآية أفقًا دلاليًا لا حدًّا إجرائيًا، وتعيد توجيه السؤال من اليد إلى القلب، ومن الصفحة إلى المعنى، ومن المجاورة إلى الاختراق.