في ظل الحراك الثقافي والفني الذي نعيشه في هذا العهد الميمون، تتجلى ملامح الفرح والامتنان لما أصبحت عليه المملكة من وجهة عالمية تحتفي بالفكر وتكرم الإبداع الإنساني بمختلف ألوانه ومشاربه من شتى الأوطان؛ فما نشهده من تتابع مذهل في المهرجانات الثقافية والجوائز الفنية يجسد حقيقة أن الوطن يسير بخطى واثقة نحو بناء نهضة ثقافية وفنية واقتصادية متكاملة، تجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فقد تجاوزت هذه المناسبات والجوائز المحلية طابعها الاحتفالي لتغدو مشروعات وطنية تعزز القوة الناعمة والحضور العالمي للوطن، وترسخ حضوره كمنصة رائدة في بناء اقتصاد معرفي مزدهر يقوم على الإبداع واستثمار طاقات الإنسان؛ إن المشهد الثقافي والفني اليوم ليس مجرد أضواء على مسارح، أو شعارات ترفع في معارض، أو جوائز تستلم وتنتهي بانتهاء لحظة التصفيق، بل هو تعبير صادق عن تحول عميق في النظرة إلى الثقافة والفن بوصفهما ركيزة من ركائز بناء الوطن وتعزيز مكانته بين الأمم، وترجمة ملموسة لرؤية جعلت منهما بوابة للتنمية، ومورداً اقتصادياً متنامياً يدعم السياحة والصناعات الثقافية والإبداعية، ويخلق فرصاً جديدة للشباب والمواهب؛ فكل فعالية تقام على أرض الوطن هي رسالة شكر وامتنان لهذا الوطن وقيادته الحكيمة، لمنح الثقافة والفن مكانتهما المستحقة، ورسالة فخر للعالم بأن الإبداع هنا أصبح لغة تنتمي لوطننا وتعبر عنه، وتؤسس لصورة حضارية تعكس ثقة المملكة بذاتها وبأبنائها القادرين على صياغة المستقبل بوعي وجمال. غير أن هذا الوهج الثقافي والفني الراهن بكل إشراقه، يدفعنا إلى تأكيد الحاجة الملحة والمبررة للالتفات أكثر فأكثر إلى الرعيل الأول من الرواد الثقافيين والفنانين، الذين حملوا على عاتقهم مشعل الكلمة واللحن والريشة في زمن كانت الإمكانيات متواضعة والمعوقات الاجتماعية كبيرة؛ ولا ننكر أنه قد حظي بالتكريم كثير منهم بما يليق جزئياً، لكن الوفاء الكامل يتطلب جهوداً مستمرة لتكريم المتبقين وحفظ إرثهم الفني والثقافي الغني، من خلال توثيق أعمالهم، وإحياء ذكراهم في المنابر والمناسبات الرسمية، وجعل مساهماتهم مصدر إلهام للأجيال الجديدة؛ إن امتناننا العميق لدورهم الوطني الرائد لا ينفد، فهم واجهوا صعوبات مضاعفة ناتجة عن ندرة الوسائل المتاحة، وضيق الأفق الاجتماعي، والذي لم ير في الفن والثقافة آنذاك سوى هواجس بعيدة عن نبض الحياة العامة، ومع ذلك، آمنوا برسالتهم وأصروا على أن الثقافة والفن طريق للنهوض والتعبير عن الذات الوطنية، فزرعوا بذور ثقافة البهجة والفرح، وكانوا لبنة الأساس التي ننهض عليها اليوم؛ ومن الإنصاف والوفاء أن يعاد تسليط الضوء على تلك القامات، وأن يخلد أثرهم بما يليق بقيمتهم الوطنية ودورهم التاريخي. ولهذا نقول ونحن إذ نشهد اليوم مرحلة زاهية من التحولات الثقافية والنهضة الفنية، فإن حفظ هذا الإرث وامتداده يعد التزاماً وطنياً تجاه الأجيال القادمة، ليبقى الجذر شامخاً مهما اتسعت فروع الشجرة؛ فالتكريم الحقيقي لا يقتصر على جائزة أو احتفال، بل في تبني رؤية تحافظ على الموروث وتربطه بالحاضر وتبني عليه مستقبلًا أكثر وعياً وجمالاً؛ إن أمامنا فرصة ثمينة لترسيخ الذاكرة الثقافية والفنية بوصفها رصيداُ وطنياً، نمده بالعطاء المعاصر ونحميه في زمن تزدهر فيه الإمكانيات وتفتح فيه التكنولوجيا الآفاق؛ فالنهضة الثقافية والفنية لن تكتمل إلا بالوفاء لمن مهدوا طريقها الصعب، والحاضر لا يزدهر إلا باحتضانه امتنان الماضي.