لعلّ من الضروري عند تحليل الخطاب الإعلامي السعودي، التمييز بين الانفعالات العفويّة للأفراد التي تعبّر عن الغيرة الوطنيّة الصادقة في فضاء إعلامي مفتوح، وما يصدر عن الدولة السعودية من خطاب رسمي محسوب. فالأولى تعكس مشاعر أفراد وكتّاب ومغرّدين، قد تحكمها لحظة استفزاز أو خيبة أمل من سياسات دول أو ممارسات بعض مسؤوليها، بينما يقوم الخطاب الرسمي على منطق الدولة ومسؤولياتها الإقليمية والدولية. هنا، سيجد الباحث كيف يبرز الخطاب الإعلامي السعودي الرسمي في أجواء النزاعات الإقليميّة نموذجًا للتوازن والحكمة، خاصة أمام الأزمات المباشرة مع الدول الشقيقة. إذ يرتكز الخطاب السعودي على مبادئ الدبلوماسية الهادئة والتأطير الإيجابي (positive framing) لتعزيز وحدة الصف العربي. وهذا يُظهر مفهوم «القوة الناعمة السعودية» التي تتميز بطابع متزن ورشيد (prudent and balanced)، يجمع بين المشترك الثقافي والأمني والاقتصادي دون الإفراط أو الاندفاع، مع الحفاظ على التوازن بين المصالح الوطنية والعلاقات الإقليمية والدولية. بصورة أخرى، هو خطاب يوازن بين الدفاع عن المصالح الوطنية والحفاظ على الروابط الأخوية، مستندًا إلى استراتيجيات إعلامية تعزّز الحوار بدلًا من التصعيد. ويتجلّى ذلك في التركيز على السلام والقضايا المشتركة، مثل الاستقرار الإقليمي والتنمية، وبما يسهم في بناء وعي جماهيري عربي معرفي إيجابي (positive echo chambers) يعزز الثقة ويرفع مستوى الإدراك العام. وفي ذات الوقت، يساهم هذا الخطاب السعودي في كشف الشائعات ومواجهتها بالحقائق، للحدّ من آثارها السلبيّة على النسيج الاجتماعي العربي. ويمكن تلخيص تحليل الخطاب الإعلامي السعودي في عشر نقاط رئيسة، على النحو الآتي: أولًا: الالتزام بالشفافية: يعتمد الخطاب السعودي على تقديم الحقائق المدعومة ببيانات رسمية، كما في إدانة التدخلات الخارجية في شؤون الدول العربية وحقوق الشعوب، مما يعزز مصداقيته ويبني جسور الثقة. ثانيًا: تعزيز الوحدة العربية والخليجية: فمن خلال التأكيد على التلاحم بين دول مجلس التعاون والجامعة العربية، يساهم الخطاب السعودي في صون السيادة والاستقرار، كما في بيانات مجلس الوزراء التي تدعو دائمًا إلى الحوار وتغليب المصالح العليا. ثالثًا: التركيز على الجانب الإنساني: يبرز الخطاب السعودي في دعمه للشعوب الشقيقة في الأزمات، مثل الإدانة السريعة للعدوان والتدخل الخارجي وتقديم المعونات، وفق منظومة قيم ومبادئ تمثّل الصورة الحقيقية للمملكة. رابعًا: مواجهة التضليل بفعاليّة: يستخدم الخطاب السعودي أساليب «التصحيح الإعلامي» (media fact-checking) لكشف الشائعات وتصحيح المغالطات، بهدف حماية الرأي العام من التضليل، والمحافظة على الاستقرار العربي والإقليمي. خامسًا: دعم مسارات السلام: ففي أزمات مثل أزمة اليمن، يركز الخطاب على الرؤية الاستراتيجية للحد من الفوضى والانقسام ودعم الحلول السلمية، مما يعزز موقف المملكة كوسيط وصانع للسلام. سادسًا: التنسيق مع الشركاء: يشجع الخطاب السعودي على التواصل المستمر مع الدول الشقيقة لبلورة المواقف المشتركة، كما في التنسيق العربي المستمر لمواجهة الأزمات. سابعًا: الثبات في المواقف: يتسم الخطاب السعودي بالوضوح والثبات تجاه القضايا العربية، مثل قضية فلسطين، ووحدة الدول العربية حيث يرفض الابتزاز والتقسيم ويطوق ثقافة تقبّل الاحتلال لفرض السلام الدائم. ثامنًا: الاستخدام الرشيد للقوة الناعمة: يدعم الخطاب السعودي الصبر الاستراتيجي، بما يمكن أن يخدم تعزيز العلاقات، وتقريب وجهات النظر ضمن شبكته الواسعة وبالتعاون مع وسائل إعلامية شقيقة لتعزيز هذ المبادئ. تاسعًا: التركيز على التنمية المشتركة: يضع الخطاب السعودي الأجندة الإيجابية حول مقومات أمن المواطن الخليجي والعربي ورفاهيته، مما يعزز الازدهار المشترك ويقلل من التوترات. عاشرًا: دور قيادي فاعل: يعزّز الخطاب الدور السعودي الإيجابي في المحيط العربي والإسلامي، وهذا يجعله نموذجًا للإعلام المتزن الذي يدعم التوافق والتكاتف. وتأسيسًا على ذلك، يظهر الخطاب الإعلامي السعودي ليس بصفة أداة دفاعية، بل ضمن استراتيجية شاملة تعتمد على «الدبلوماسية الإعلامية الرشيدة» لتعزيز الأمن والتنمية. وباعتماده الوضوح والحقائق يعزز «الأخلاقيات الإعلامية» (media ethics) في المنطقة، ويعرّي «الخطاب السام» (toxic discourse). وبهذا، يمثل الخطاب الإعلامي السعودي نموذجًا للتوازن في زمن التحديات، بتأكيده على أهمية وحدة المصير والخطر، مع التركيز على إبراز صوت المبادئ القادر على مواجهة التحديات بخطاب وفعل مسؤول. * قال ومضى: بالحُجّة والدليل صوت العقل أعلى من ضوضاء التضليل.