في حديثه عن الرقابة الأسرية، أوضح الاختصاصي الأول الاجتماعي والمستشار الأسري عبدالله الشهري أن الرقابة لا يمكن حصرها في كونها سلوكًا فطريًا أو مهارة مكتسبة فقط، بل هي مزيج متداخل بين الغريزة الإنسانية والتعلم الواعي، يختلف في نسبته من أسرة إلى أخرى ومن شخص لآخر. وبيّن أن لدى الإنسان نزعة فطرية للحماية والرعاية، تظهر بوضوح لدى الوالدين تجاه أبنائهم منذ وقت مبكر، دون تدريب أو توجيه رسمي، وغالبًا ما تتمثل في محاولات الوقاية من الخطأ أو الخطر. إلا أن هذه النزعة، رغم أهميتها، تبقى عامة وغير منظمة ما لم تُدعّم بالوعي والتجربة. وأشار الشهري إلى أن الجانب المكتسب يمثل التأثير الأكبر في تشكيل الرقابة الأسرية، حيث تتحدد أساليبها وحدودها من خلال التنشئة الاجتماعية التي نشأ عليها الوالدان، إضافة إلى الثقافة والدين، والتجربة داخل الأسرة، فضلًا عن دور التعليم والوعي التربوي. وتفسر هذه العوامل مجتمعة التفاوت الواضح بين الأسر في درجة الصرامة أو المرونة، وفي أسلوب المتابعة بين الحوار أو التفتيش، وتوقيت التدخل وحدوده. وأكد أن الرقابة الصحية ليست غريزية بالكامل، بل مهارة تتطور مع الزمن، لافتًا إلى أن الرقابة الناجحة تتحول تدريجيًا من رقابة خارجية إلى ضبط ذاتي داخلي لدى الأبناء، وهو الهدف الأسمى الذي لا يتحقق إلا بالتعلم الواعي. وفي هذا السياق، شدد على أن غياب الرقابة لا يعني الحماية، بل قد يقود إلى الإهمال، خاصة عندما تغيب المتابعة السلوكية والنفسية، أو تُترك الحدود دون توجيه. في المقابل، تقل الحاجة للرقابة المباشرة عندما يُربّى الأبناء على القيم والوعي، وتُبنى داخل الأسرة علاقة ثقة وحوار مفتوح. وختم الشهري بالتأكيد على أن الرقابة ليست تجسسًا أو سيطرة، بل رعاية ذكية توازن بين الخصوصية والحماية، من خلال قواعد واضحة، ومراقبة للسلوك لا اقتحام للخصوصيات، مشيرًا إلى أن الثقة كلما زادت، تحولت الحماية من رقابة مفروضة إلى وعي ذاتي متوازن.