وصلني من الصديق معالي الدكتور يوسف بن طراد السعدون كتابه "من نافذة الأحداث: الهوية العربية والإسلامية في عالم مضطرب"، الذي صدر عن دار جداول في بيروت في ديسمبر 2025. وهذا العمل الاستثنائي كما سنكشف ليس مجرد كتاب سياسي تحليلي، بل هو شهادة حيّة على العصر جمع فيه بين الخبرة الشخصية والرؤية الاستراتيجية العميقة. يقدّم لنا د. يوسف السعدون في كتابه قراءة استراتيجية ناقدة لمجريات الأحداث الدراماتيكية التي عصفت بالمنطقة العربية والإسلامية خلال العقود الأخيرة، ويمزج في قراءته بين التحليل المنهجي وتجاربه كاقتصادي وسياسي سعودي بارز حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة إنديانا، وعضو سابق في مجلس الشورى، ووكيل سابق لوزارة الخارجية للشؤون الاقتصادية والثقافية، وهو هنا لا يكتفي بالتحليل التاريخي بل يشخّص التحديات الوجودية التي تواجه الهوية العربية والإسلامية في عالم يغلب عليه الاضطراب، والصراعات، والاستهداف من قوى خارجية تسعى لإضعاف التماسك الإقليمي. ويجمع الكتاب بين التوثيق التاريخي الدقيق والتحليل النقدي الذي لا يجامل، حيث رصد المؤلف جذور الأزمات الإقليمية بعمق، مستندًا على تجاربه الطويلة في الدبلوماسية والإدارة العامة. ويبحث المؤلف بعمق ومنهجية واضحة في الأسباب الجوهرية للمؤامرات والتدخلات الخارجية التي أثرت على العالمين العربي والإسلامي، مثل الحروب بالوكالة التي تغذيها مصالح دولية، والفتن المدارة بعناية لزرع الفرقة، والتلاعب بالعقول عبر الإعلام والدعاية. كما يسلط الضوء على ملفّات الأخطاء الداخلية التي سمحت لهذه المخططات بالنجاح جزئيًا، مثل الغفلة عن التحذيرات التاريخية أو الاستسلام للانقسامات الطائفية، مستلهمًا التجارب السابقة مثل تدخلات القوى الدولية في المنطقة التي أدّت إلى تفكّك دول ومجتمعات. وينقسم الكتاب إلى جزأين رئيسين يعكسان رؤية شاملة للماضي والمستقبل، حيث يركز الجزء الأول "ضلال عالم مضطرب" على الأحداث الكبرى بتفاصيل تحليلية، مثل الصراعات الإقليمية المتشابكة، وقضية فلسطين كرمز للظلم المستمر والتدخلات الدولية، والتدخلات الغربية والإقليمية التي تتخذ أشكالًا متنوعة من الحروب النفسية إلى الفتن المُدارة. ويُبرز كيف أدت هذه التدخلات إلى تفكك الاستقرار، وإضعاف الدول، ضمن أدوات مثل الإرهاب، والديون، والمخدرات، وازدراء الأديان من خلال حملات تشويه ممنهجة. ويسند في كل هذا إلى أمثلة حيّة مثل الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط التي غيرت خرائط التحالفات وأضعفت السيادة الوطنية. وأفضل تشبيه لهذا الجزء هو فعل مبضع الجراح، كما وصفه الكاتب فهد العجلان، حيث ينفذ المؤلف إلى عمق الجراح ليكشف عن السموم الكامنة. وفي الجزء الثاني "إشكالية الهوية ومستقبل الأمة" يركز المؤلف على أزمة الهوية العربية والإسلامية أمام التحديات المعاصرة، مثل حملات التشويه الثقافي عبر العولمة، والفتن الطائفية التي تُغذى خارجيًا لإضعاف التماسك الداخلي، والضغوط الخارجية التي تهدف إلى تفكيك الوحدة. ويؤكد المؤلف أن المستقبل لا يُمنح للأمم بل يُنتزع بإرادة أبنائها، مشددًا على ضرورة العمل على وحدة الصف، بيقظة مستمرة، ووعي عميق بالمخاطر. وهو هنا يدعو إلى قراءة التاريخ بعين فاحصة، لاستلهام الدروس ومواجهة التحديات باستراتيجيات قوية للصمود والاستعداد للمستقبل. يٌعتبر كتاب د. يوسف السعدون بمثابة بطاقة دعوة للتأمل النقدي والعمل الاستراتيجي، اعتمد فيه على خبرته وتجاربه وإبداعاته في الكتابة في صحف مثل "عكاظ" و"الجزيرة" و"الشرق الأوسط". بحق هذا الكتاب، يدعو القارئ إلى التفكير بعمق ورؤية في كيفية حماية الهوية وصيانة السيادة الوطنيّة في زمن الاضطراب "وأحداث لم تنم" كما وصفه الكاتب عبدالوهاب الفايز.. وللقارئ أقول: بين يديك كتاب مهم وما تضم صفحاته يجعله مرجعًا أساسيًا لفهم الواقع الإقليمي والعالمي تجاه هذا الجزء من العالم. * قال ومضى: من يطرب لصوت العقل في ضجيج المصلحة..