ليست المهرجانات التراثية مجرّد محاولات لاستعادة الماضي، ولا هي طقوس حنين عاطفي تُمارس لمرة في العام ثم تُطوى صفحتها.. في جوهرها الأعمق هي أسئلة مفتوحة عن الهوية، ومحاولات واعية للإجابة عن سؤال كبير: كيف نكون أبناء هذا المكان، دون أن نكون أسرى زمنه؟ في زيارة مهرجان ثادق التراثي بنسخته الثانية، وافتتاح بيت آل حمود الهاجري بدا المشهد أبعد من فعالية ثقافية، وأقرب إلى حوار صامت بين الزمنين. فالبيوت الطينية لا تقف هنا بوصفها شواهد حجرية، بل بوصفها ذاكرة حيّة، تُذكّر أن التنمية لا تبدأ من الإسفلت، بل من المعنى وأن المدن التي تنسى جذورها، غالبًا ما تفقد اتجاهها وهي تتقدم. هذا التوازن الدقيق بين الذاكرة والتحوّل هو أحد أعمدة رؤية المملكة 2030 التي لم تتعامل مع التراث بوصفه عبئًا من الماضي، بل رأته موردًا رمزيًا وثقافيًا يمكن إعادة توظيفه في بناء مستقبل أكثر رسوخًا.. فالرؤية في عمقها ليست برنامجًا اقتصاديًا فقط، بل مشروعًا لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الحداثة والهوية. من هنا لا يمكن قراءة مهرجان ثادق بمعزل عن حضوره الإعلامي، فالإعلام حين يقترب من المكان لا ينقل صورًا فحسب، بل يشارك في إنتاج المعنى. وهنا تتبدّى أهمية العمل المؤسسي الذي تقوده جمعية "إعلاميون" السعودية، بوصفها كيانًا مهنيًا يسعى إلى إخراج الإعلامي من عزلة المنصات وإعادته إلى الميدان، حيث تتشكّل القصة قبل أن تُكتب، ويُفهم الحدث قبل أن يُختصر في عنوان. وإذا وسّعنا زاوية النظر، سنجد أن مهرجان ثادق ليس حالة منفردة، بل جزء من سياق وطني أوسع، يتجلّى في مهرجانات ومبادرات مشابهة في رجال ألمع، وذي عين وجبة وتيماء وغيرها من المواقع التي تحوّلت من جغرافيا مهملة إلى سرديات حيّة. هذه التجارب تقول لنا بوضوح إن التراث حين يُدار بوعي، لا يُجمّد الزمن بل يحرّكه، ولا يعارض التنمية بل يمنحها روحًا. الفارق الجوهري بين مهرجان عابر ومشروع ثقافي مستدام يكمن في السؤال الذي يقف خلفه: هل نحتفي بالمكان لأنه جميل أم لأن له معنى؟ وهل نمارس الإعلام بوصفه تغطية أم بوصفه فعل فهم؟ هنا تحديدًا تتقاطع أدوار الجهات المنظمة، والمؤسسات الثقافية والجمعيات المهنية في صناعة تجربة تتجاوز الحدث إلى الأثر. إن ما نحتاجه اليوم في ظل تسارع التحوّلات ليس المزيد من الفعاليات، بل مزيدًا من الوعي بها. وعي يجعل من التراث لغة حوار مع المستقبل، ومن الإعلام أداة تفكير، لا مجرد وسيلة نقل. فالوطن في نهاية الأمر لا يُبنى بالمشاريع وحدها، بل بالقصص التي نرويها عنه، وبالطريقة التي نفهم بها أنفسنا ونحن نتحوّل. من ثادق يمكن أن تبدأ الحكاية.. لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها سؤالًا مفتوحاً تُجيب عنه رؤية، ويحمله إعلام، ويصوغه مجتمع يعرف أن جذوره ليست خلفه بل تحته.