يظلّ الأدب واحداً من أكثر الفنون التصاقاً بالإنسان وسلوكياته، فإضافة إلى ما يحمله من كلمات منسوجة وصور جمالية تُبهج القارئ، فهو فعل اجتماعي عميق يكشف ما يجري في المجتمع، ويضيء ما قد يخفى على الآخرين. فالأديب، بما يملكه من حساسية ووعي، يتحول إلى عين ترى، وقلب يشعر، وصوت يعبّر عن التجربة الإنسانية بكلما فيها من أسئلة وتطلعات. والأدب في جوهره تعبير فني عن موقف إنساني، وعن رؤية تتجاوز حدود الذات لتلامس هموم الناس وقضاياهم. فالكلمة قوة قادرة على البناء والتأثير، ولا سيما في اللحظات المهمة التي تحتاج فيها المجتمعات إلى صوت يهدّئ، أو يوجّه، أو يكشف حقيقة؛ ولهذا كانت علاقة الأديب بمجتمعه علاقة توجيهية وقيادية، لأنه يمتلك القدرة على الربط بين الماضي والحاضر، وعلى ترسيخ قيم الخير، واستشراف مستقبل أكثر معرفةً ووعياً. ووظيفة الأدب لا تنفصل عن فهم الأديب لرسالته، ولا عن إيمانه بأن الكلمة يمكن أن تغيّر، وأنّ الأدب الحي هو الذي ينبع من المجتمع ويصب فيه فيكون صورة حية له، كما قال يوسف إدريس. فالأديب الحقيقي لا يعيش في برج معزول ولا ضمن فئات نخبوية زائفة أو داخل دوائر مغلقة، بل ينخرط في تجربة عصره، ويعكسها في أعماله دون أن يتخلى عن مقومات الإبداع من خيال ورؤية وأسلوب. وبقدر ما يكون الأديب صادقاً في رسالته، يكون الأدب قوة فاعلة في خدمة المجتمع، وشريكاً في تشكيل وعيه، وداعماً لمسيرته نحو مستقبل أكثر وعياً وإنسانية. ومن هنا جاءت أمسية الأستاذ علي الدريهم، رئيس سفراء جمعية الأدب المهنية بالخرج، الذي قدّم حديثاً يقترب من الإنسان قبل أن يقترب من التعريفات والمفاهيم، حيث تحدّث عن المسؤولية المجتمعية الثقافية ووصفها بأنها أساس حياتنا اليومية والاجتماعية، وأجاب عن تساؤلات: كيف يمكن للثقافة أن تمنح المجتمع تماسكاً أكبر، وكيف يمكن للأدب أن يفتح نافذة جديدة للوعي، وكيف يصبح الإنسان لبنةً من هذا البناء حين يقرر أن يشارك بما يعرفه. وفي سياق حديثه، أفاد الدريهم بأنّ المسؤولية المجتمعية الثقافية أشمل من كونها أنشطة وفعاليات، إذ إنها رؤية واسعة تقوم على تسخير المعرفة والفنون لخدمة المجتمع، وتعزيز هويته، ودعم تنميته. وهي تنطلق من مركزية الثقافة التي تتشكل فيها القيم والسلوكيات، وتتكامل معها الأدوار بين الأفراد والمؤسسات، وبين القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، بما يضمن توسيع أثر المبادرات واستدامتها، كما تنسجم هذه الرؤية مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تؤكد على دور المشهد الثقافي في تحسين جودة الحياة وبناء اقتصاد إبداعي يقوم على الإنسان. خرجت من الأمسية بشعور بهيج، وأردت إيصال رسالة متضمنةً دعوة لكل أحد، أن يغترف وينهل، ويعطي ويستمتع بما تحمله الحياة من جماليات في الثقافة والأدب والعلوم والفنون، فهي ملك للجميع، ومسؤوليتها تبدأ من كل فرد يؤمن بقيمتها. شكراً لجمعية الأدب المهنية، وشكراً لكل سفراء الوطن.